3 -25 {إِنْ هُوَ} ؛ أي: ما هو؛ أي: ما نوح {إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ} ؛ أي: جنون، ولذلك يقول ما يقول؛ أي: وما نوح إلا رجل به خبل ونقص في عقله، فمزاعمه لا تصدر إلا من رجلٍ لا يزن قوله، ولا يدعم رأيه بحجة ناصعة، فلا يلتفت إذًا إلى ما يدعي، ولا ينبغي أن نضيع الوقت في محاجته، ودحض مزاعمه في صدق دعوته، وبعد أن ذكروا موانع نبوته .. ذكروا الطريق المثلى في إبطال دعوته، فقالوا: {فَتَرَبَّصُوا بِهِ} ؛ أي: فاصبروا عليه، وانتظروا به {حَتَّى حِينٍ} ؛ أي: إلى وقت يفيق فيه من الجنون؛ أي: أخروا شأنه حتى يتبين أمره؛ بأن يفيق من جنونه، فيترك هذه الدعوى، ويرجع من تلقاء نفسه إلى دينكم، ودين آبائكم وأجدادكم، أو حتى يموت فتستريحوا منه، وهذا من مكابرتهم، لفرط عنادهم، إذ هم يعلمون أنه أرجح الناس عقلًا وأرزنهم قولًا.
ولم يرد سبحانه على هذه الشبه لسخافتها، ووضوح فسادها، إذ كل عاقل يعلم أن الرسول يتميز عن غيره بالمعجزات التي تأتي على يديه، سواء كان ملكًا أم بشرًا.
وإرادته التفضيل عليهم، من كانت لأجل أو يَتبين فضله حتى ينقادوا، فلا ضير في ذلك، بل هو واجب، وإن أرادوا أنه يبغي التجبر عليهم فالأنبياء منزهون عز ذلك، وقولهم: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} اعتناق للتقليد، وهو لا يصلح حجة تدفع بها يحيى المعارضين الواضحة، وضوح الشمس في رائعة النهار، وقولهم: {بِهِ جِنَّةٌ} كذب صراح؛ لأنهم يعلمون ذكاءه وعظيم فطنته، وما أوتيه أو أصالة الرأي وثاقب الفكر.
26 -ولما استبان لنوح إصرارهم على ضلالتهم، وتماديهم في غيهم، وبأسه أو إيمانهم، وأوحي إليه أنه لن يؤمن أو قومك، إلا أو قد آمن .. طلب إلى ربه أو ينصره عليهم، و {قَالَ} نوح يا رب {رَبِّ انْصُرْنِي} عليهم فانتقم منهم بما تشاء، وكيف تريد، والباء في قوله: {بِمَا كَذَّبُونِ} ؛ في: بسبب تكذيبهم إياي؛ في: رب انصرني بإنجاز ما أوعدتهم به أو العذاب، بقولي: إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم، وقال الزمخشري: في بدل (ما كذبون) على أو الباء للبدل، كما تقول: هذا بذاك؛ في: بدل ذاك ومكانه.