تقديرًا كما اتفق النحاة عليه سخيف جدًا فإن النحاة كما اتفقوا عَلَى ذلك اتفقوا أَيْضًا كما
نقلناه عن سيبَوَيْه من إنه قال أجري هذا عَلَى حرف النداء أي الاخْتصَاص أجري عَلَى حرفه
كما أن التسوية أجرت ما ليس باستخبار ولا اسْتفْهَام قال السيرافي في شرح الْكتَاب يعني
بحرف النداء أيتها الخ. قال صاحب التلخيص وقد يستعمل صيغة النداء في غير معناه
كالاخْتصَاص في قولهم أنا أفعل كذا أيها الرجل أي متخصصًا من بين الرجال وأوضحه
النحرير التفتازاني بحَيْثُ لا مساغ فيه للإشكال فالوجه في التوفيق أن صيغة النداء المرموز
إليها يا أيتها المختصة بالنداء مستعملة في الاخْتصَاص مَجَازًا نظيره لفظ المشبه به المرموز
إليه بذكر دوافعة مستعمل في غير معناه.
قوله: لمجرد التَّخْصِيص أي تَخْصيص مدلوله من بين أمثاله بما نسب إليه وهو إما
في معرض التفاخر نحو أنا أكرم الضيف أيها الرجل أي مختصًا من بين الرجال بإكرام
الضيف أو التصاغر نحو أنا المسكين أيها الرجل وغير ذلك مما ينسب المقام وما نحن فيه
للاستعطاف أو لبيان كمال الاحتياج إلَى الْمَغْفرَة من بين العصابة ففيه اعتراف بمزيد الجناية
وهو سبب لنزول كمال الرحمة ثم الْمُرَاد بالتَّخْصِيص والاخْتصَاص التَّخْصِيص في الْإثْبَات
والذكر لا الحصر عَلَى أنه لا مانع من إرادة الحصر ادعاء بمعونة المقام كما فيما نص فيه
فإن الداعي ادعى حصر الْمَغْفرَة له لانحصار اقتراف السيئة واجتراح الخطيئة له وهذا حسن
في مقام التضرعات والخطابيات ثم إن عَلَى في سَوَاءٌ عَلَيْهمْ بمعنى عند ولذا قال صاحب
اللباب مستو عندهم والْقَوْل بأن عَلَى هنا للمضرة ليس بقوي لأن الضرر لا يجيء من
مَنْطُوق الْكَلَام، وإنما المقصود بأن الاستواء عندهم.
قوله: (والإنذار التخويف) أي الْمُرَاد بالإنذار في عرف الشرع(أُريد به التخويف
من عقاب الله تَعَالَى)نقل إليه من مطلق التخويف واسْتعْمَاله في الإبلاغ قليل فقول
الْمُصَنّف من عقاب الله إشَارَة إلَى أن الْمَفْعُول الثاني مَحْذُوف هنا أي أأنذرتهم من
العذاب أم لم تنذرهم منه.
قوله: (وإنما اقتصر عليه) أي لم يذكر إشَارَة عَلَى تقدير الإيمان وكون الْكُفَّار أهلًا
للإنذار (دون البشارة) لا ينافي ذكر البشارة كما أن عدم كونهم أهلًا للاستغفار لا ينافي
ذكره في قَوْله تَعَالَى: (سَوَاء عَلَيْهمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفرَ اللَّهُ لَهُمْ)
الآية. فعدم التعرض لها صريحًا ولو لهم بدلالة النص لما ذكره المصنف
(لأنه أوقع في القلب وأشد تأثيرًا في النفس من حيث إن دفع الضرر أهم من جلب النفع) .
قوله: (فإذا لم ينفع فيهم كانت البشارة) بكسر الباء (بعدم النفع) متعلق (بأولى) ظاهر
عبارته أنه اقتصر عَلَى الإنذار ولم يذكر معه إشَارَة لا أنه لم يقتصر عَلَى البشارة وحدها
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله، وإنَّمَا اقتصر عليه الخ. يعني لم يقل (أأنذرتهم) أم بشرتهم لأن الإنذار
الذي هُوَ التخويف من عذاب الله أوقع في القلب وأبلغ تأثيرًا في النفوس.