بالمقام. قال الْمُصَنّف في سورة والمرسلات في حل قَوْلُه تَعَالَى (ويل يومئذ للمكذبين)
والتكرير للتوكيد حسن شائع في كلام العرب والْقَوْل بأن كلام الْمُصَنّف عَلَى
هذا التقرير تكرار بلا فَائدَة مخالف لحسن الأدب فإن قلت: فعلى هذا يكون حاصل الْمَعْنَى
الإنذار وعدمه متساويان في عدم النفع متساويان فيه فيختل الحمل. قلنا الْمُرَاد سواء الإنذار
وعدمه في عدم المنع من حيث إنه معتقد في شأنهم بمخائل وإمارات لاحت فيهم سواء فيه في
نفس الأمر كما قيل في واجب الوجود موجود أي ما نعتقده واجب الوجود موجود في نفس
الأمر أو سواء الإنذار وعدمه فيه سواء عظيم تام بحَيْثُ لا يرجى زواله قال النحرير في شرح
العقائد أن ما نعتقده حقائق الأشياء موجودة في نفس الأمر وقال محشيه الفاضل. والحاصل إن
أخذ موضوعه بحسب الاعتقاد مَشْهُور انتهى. وكذا الْكَلَام فيما نحن فيه.
قوله: (فإنهما جردتا عن معنى الاسْتفْهَام لمجرد الاستواء) فيه تَغْليب فإن أم المتصلة
من حروف التعطف وليس باسْتفْهَام وفي قوله جردتا تنبيه عَلَى أن الاستواء جزء معناهما
نقل عن أبي علي أن أم المعادلة للهمزة حقيقتها هنا الاسْتفْهَام عن أحد الأمرين فمعنى أكان
كذا أم هذا أي الأمرين كان ولا يستفهم عنهما إلا من تصورهما فقد استويا في علمه
واستوت أقدامهما عَلَى سطح فهمه من غير تقديم رجل عَلَى الأخرى وهذا مما يلزم
الاسْتفْهَام لزومًا بينا فلما لم يرد بهمزة التسوية ومعادلها حقيقتها من الاسْتفْهَام تجوز بهما
عن معنى الواو العاطفة الدَّالَّة عَلَى اجتماع متعاطفيها في نسبة ما بغير دلالة عَلَى تقدم أو
تأخّر انتهى. فقد أطلق أبو علي الاسْتفْهَام عَلَى أم المعادلة للهمزة فإن أريد ظاهره فلا
تَغْليب في كلام الْمُصَنّف وقول المصنف مستو عليهم أي عندهم إنذارك وعدمه إشَارَة إلَى ما
حققه أبو علي.
قوله:(كما جردت حروف النداء عن الطلب لمجرد التَّخْصِيص في قولهم اللهم اغفر
لنا أيتها العصابة)أي طلب إقبال المنادى. نقل عن السيرافي يعني سيبَوَيْه بحرف النداء يا
أيها لأنها لا تستعمل إلا في النداء وليس هنا بمنادى ولا يجوز دخول حرف النداء عليه لأنه
لم يبق فيه معنى النداء أصلًا فكره التصريح بأداته ولكنه استعمل للتَّخْصِيص لأنك تخص
المنادى من بين من يحضرك بأمرك ونهيك وغير ذلك اسْتُعيرَ لفظ أحدهما للآخر حيث
شاركه في الاخْتصَاص كما جعل حرف الاسْتفْهَام لما ليس باسْتفْهَام لما اشتركا في التسوية
انتهى. فحِينَئِذٍ إيراد الحروف جمعًا تبعًا للإمام سيبَوَيْه وتبركًا له وجه صحة الجمع باعْتبَار
أفرادها المتحققة في محالها أو الْإضَافَة للجنس فيبطل معنى الجمعية فمراده بالحرف الكلمة
لأن أيتها ليست بحرف بل هُوَ اسم مبني عَلَى الضم والعصابة صفته عَلَى الرفع كما في
النداء لكن مجموعه في محل النصب عَلَى الحال أي اللهم اغفر لنا متخصصين من بين
العصابة أو مختصة هذه العصابة بالْمَغْفرَة والعصابة طائفة من النَّاس أو من العشرة إلَى
الأربعين كالعصابة مختصة بالرجال وما قيل إنه غير مطابق لنفس الأمر لأن باب
الاخْتصَاص لم تجرد فيه حروف النداء بل لا وجود لحرف النداء فيه أصلًا لا لفظًا ولا