قدم عَلَى المبين). والْمَعْنَى واجعل أمة مسلمة لك من ذريتنا، قدم عَلَى المبين
لوروده مبينًا حين ذكره مثل تقديم العلة عَلَى المعلول؛ لأن ثبوت الأمر مبينًا له في النفس
استقرار لا يكون لما يذكر بيانه بعده فـ [حِينَئِذٍ] لا يكون من ذريتنا مَفْعُولًا أول لأن البيان أبدًا من
تتمة المبين صفة لها إن آخر أو حال إن قدم وجعل متعديًا إلَى مَفْعُول واحد بمعنى خلق لا
بمعنى صير أي وأوجد أمة مسلمة حال كونها من ذريتنا، وظاهره يخالف ما مَرَّ من أن
تَخْصيص البعض لأن الْحكْمَة الْإلَهيَّة لا تقتضي الاتفاق الخ. إذ الظَّاهر أن دعاءهما مستجاب
وصلاح أبناء الْأَنْبيَاء سبب لصلاح غيرهم فلزم ما لزم من المخالفة لمقتضى الْحكْمَة الْإلَهيَّة.
قوله: (وفصل به بين العاطف والْمَعْطُوف كما في قَوْله تَعَالَى(خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ
وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)وفصل به أي بالبيان بين العاطف وهو الواو
والْمَعْطُوف وهو أمة كما في قَوْله تَعَالَى: (خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)
وأصله ومثلهن من الْأَرْض.
قوله: (من رأى بمعنى أبصر أو عرف ولذلك لم يتجاوز مَفْعُولَيْن) من رأى بمعنى
أبصر فيكون من الرؤية البصرية أو عرف أي أو بمعنى عرف من الرؤية العلمية. قوله ولذلك
لم يتجاوز إلَى مَفْعُولَيْن دليل إني يفيد العلم بذلك، وأما لميته فلأن الغرض معرفة ذوات
المناسك لا علم أحوالها، ومعنى قوله لم يتجاوز إلَى مَفْعُولَيْن أي بعد زيادة همزة الإفعال
بل يتعدى إلَى مَفْعُول واحد بعد زيادتها، وأصل الثلاثي يتعدى إلَى مَفْعُول واحد فيتعدى بعد
زيادتها إلَى مَفْعُولَيْن ولو كان من رأى بمعنى علم يتعدى بعد زيادة الهمزة إلَى ثلاثة مفاعيل
وهذا مراده.
قوله: (متعبداتنا في الحج أو مذابحنا والنسك في الأول غاية الْعبَادَة) متعبداتنا في
الحج أي مواضع عباداتنا الكائنة في الحج، فيكون من قبيل المبصرات، وكذا الْكَلَام في
المذابح فما وجه حمل الرؤية عَلَى المعرفة مع أن كون الرأي بمعنى عرف أنكره ابن
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
فصارت حالًا ومَفْعُولًا اجعل أمة مسلمة، والواو داخلة في الأمر عَلَى أمة لكن فصل بينها وبين
الْمَعْطُوف كما في قَوْله تَعَالَى: (خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) وقوله كقوله
تَعَالَى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنُوا منْكُمْ) تمثيل لمجرد مجيء من للبيان ولذا أخر عنه.
قوله: قدم عَلَى المبين أي قدم التبيين فيما نحن فيه أو لفظ من الكائن للتبيين عَلَى المبين
قال أبو البقاء: والواو داخلة في الأصل عَلَى أمة ومن ذريتنا نعت لأمة تقدم عليها انتصب عَلَى
الحال. قال الرَّاغب: إنما في أمة مسلمة لك ولم يعمم لأن هذه منزلة شريفة لا يكاد يتخصص بها
إلا الواحد والواحد في برهة بعد برهة وأن الْحكْمَة الْإلَهيَّة لا تقتضي ذلك فإنه لو حمل النَّاس
كلهم كَذَلكَ لما تمشى أمر العالم إذا كان العالم يفتقر كون الأفاضل فيها والأواسط والأراذل فإن
الأراذل تتولى عمارته والقيام بتمشية أمر العالم فقد قيل عمارة الدُّنْيَا بثلاثة: الزراعة والحرث
والحماية والحرب وجلب الأشياء من مصر إلَى مصر وأنبياء الله صلوات الله عليهم لا يصلحون
لذلك؛ إذ كانوا تعرضوا أمرًا أشرف من ذلك.