في الدار الآخرة جهارًا، وترونه عيانًا كما رأيتموه بالإيمان هنا فطرًا واعتبارًا.
ثم قال - عز وجل: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا(19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20)
يريهم دلائل النبوة وعلامات الرسالة، وكما تهدي الطرق إلى المقاصد كذلك تهدي الرسل إلى المراشد.
قال نوح - عليه السَّلامُ: (رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا(21)
إلى آخر السورة.
وفي قوله - عليه السلام: (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا(17) . وكأن يكون أنبت
إنباتًا، لكنه قال - عليه السلام: (نَبَاتًا) وأنزله رب العالمين كذلك لحكمة في ذلك بالغة
وعلم ظاهر؛ وذلك أنه - جلَّ جلالُه - أنبتنا من الأرض في النبات نباتًا، ثم أنزلنا بالماء من
السماء، ثم أنبتنا في الحيوان نباتًا، ثم أنبتنا في بطون أمهاتنا نباتًا، ثم بعد ذلك
النشء مع النبات والإنبات معًا، (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) .
قوله تعالى: (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا(25)
نص منه - جلَّ ذكره - على عذاب البرزخ، وأنه قد أدخلهم
النار متصلاً بموتهم، ألا تسمع لقوله: (أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا) .
ثم ذكر - جلَّ جلالُه - دعاءه على الكافرين لما قيل له: إنه(لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ
آمَنَ)واستغفاره لنفسه ولوالديه وللمؤمن به، ثم لجميع المؤمنين والمؤمنات،
فصلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع النبيين والمرسلين، ربنا آمنا بما أنزلت من
كتاب وبمن أرسلت من رسول فاكتبا مع الشاهدين، وفي دعائه هذا لأبويه دليل
على أنهما كانا مؤمنين.
ذكر في الأنساب أنه: نوح - عليه السَّلامُ - بن [بن لامَك بن متوشلخَ بن خنوخ] ، قال: فكان
هذا [خنوخ] قد التزم الحق ووقف عند أمر الله - جلَّ ذكره - بن يارث بن ملايل بن
قينان بن أنوش بن شيث، وهو الذي يقال له: شيث، والله أعلم. وشيث ابن آدم - عليه السَّلامُ -
فصلوات الله وسلامه على نوح وعلى آبائه الطاهرين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. انتهى انتهى {تفسير ابن برجان. 5/ 388 - 393} ...