وقد بينا في سورة آل عمران في فصل قوله: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) ، وهو أكثر اشتباهًا من هذا الفصل،
وفي فصول كثيرة على نسق السور ما لو فهموه لأغناهم عن كثير من
توهمهم، وأنبأهم عما يشكل عليهم مما ليس بمشكل عند من شرح
الله صدره، ولم يكابر عقله.
وهم يضربون عن تبصره صفحًا اقتداء بمن لا يفهمون فهمه،
ولا يسلك في السبيل إلى إباحة القياس مسلكهم، ويجوز عليه من السهو -
فيه - ما يجوز في المسائل الذي يوصلون ترك الاقتداء به دون وضوح
الحجة لهم.
والنبات مصدر خارج على غير قياس المصادر المشاكلة له، إذ لو كان
خارجًا على شكله لكان - والله أعلم -"إنباتًا"، لا"نباتًا".
ومن النحويين من قال: إنه خارج على ضمير"فعل"كأنه: والله
أنبتكم من الأرض فنبتم نباتًا، وهو أعلم سبحانه كيف هو.
قوله: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا(19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20)
دليل على أن ما اختاره أبو عبيد - من إعمال الفعل المتلاصق بالاسم،
وإن كان وجها حسنًا، فإعمال المتباعد عنه - أيضاً - حسن، وأن ليس
واحد منهما مختارًا على صاحبه، إذ كلاهما وارد في القرآن،
ولا يجوز أن يكون بعض القرآن أفصح من بعض، لأنه كله كلام الله -
جل وتعالى - ألا تراه ردّ السلوك إلى الأرض، ولم يرده إلى البساط
المتلاصق به.
قوله: (لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا(23) ،
دليل على أن في كلام العرب تأكيدًا، كما ذكرناه في غير موضع من هذا الكتاب، إذ ليس يخلو الود والسواع ويغوث ويعوق والنسر من أن يكونوا تفسيرًا للآلهة المجملة، أو يكونوا غيرها.
فإن كانو تفسيرًا لها فقد أكد الكلام بـ (وَلَا تَذَرُنَّ) الثاني. وإن
كانوا غيرها فقد أكد الكلام بها نفسها.