دليل على استنزال الرزق، وتكثير الأولاد بالعمل الصالح، لأن نوحا وعد قومه على الاستغفار إمدادًا بالأموال والبنين.
وذكر أن رجلاً كان ميناثًا لا يلد له ذكور فلزم الاستغفار متأولاً لهذه
الآية، محتسبًا ما وُعد أهل الاستغفار فيها، فأذكر بعد ذلك.
قوله: (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا) ،
كان بعض أهل النظر يذهب إلى أن القمر نور في إحداهن، وهي سماء الدنيا، ليس في جميعهن، ويجعل ذلك حجة لقوله، حيث جعل الأيام المعدودات،
أيام التشريق، فلم يلزمه أن يبيح النحر في جميعها، اعتمادًا على أن
الله جعل القمر نوراً في بعض السماوات - وهو فِي اللفظ فيهن -
لا فيها. وليس هو عندي كذلك، إذ ممكن أن لكوّن القمر يضيء
بوجهه الذي إلى السماء جميع أهل السماوات لصفائهن، بقدرة الله -
تبارك وتعالى - فيكون نورًا في جميعهن ليس في إحداهن)
وليس في جعله الأيام المعدودات أيام التشريق ما يلزمه أن يبيح النحر
في جميعهن، لعدم جرى النحر وذكره في الأيام المعدودات، وإنما أمر
الله - سبحانه - أن يذكّر فيها
فإن كان النحر الذي هو في يوم العاشر من ذي الحجة يجوز عند قوم -
بضرب من التأويل في هذه الأيام - فليس ذلك لأن الأيام سميت
بالمعدودات حتى يلزمه أن يجيز، النحر في جميعها، ولكن أجازوه -
والله أعلم - لأنها بقايا أيام مناسك الحج لرمي الجمار والبيتوتة بمنى،
فلما كان النحر منسكًا من مناسك الحج ففات وقته أجيز في الأيام
المنسوبة إليه، والمجعولة من تمام مناسكه.
ويحيى - عندنا - فِي ذلك سنة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -
صحيحة الإسناد أنه أجاز الذبح في جميع أيام التشريق، فاستغنينا بها
عن التأويل في إجازة ذلك.
فإن قال: لم يرد هذا الناظر ما ذهبت إليه بل تتحجج عليه، إنما
أراد إبطال قول من يُلزمه النحر ثلاثة أيام، في كل يوم نحرًا جديدًا كان
ذلك أبعد من الصواب، لأن ابتداء النحر ليس هو في أول يوم من الأيام