ولإقرار هذه الحقيقة في نفوس المسلمين قيمته في شعورهم بحقيقة دعوتهم , وحقيقة نسبهم العريق ! وحقيقة موكبهم المتصل من مطلع البشرية . وحقيقة دورهم في إقرار هذه الدعوة والقيام عليها . وهي منهج الله القويم القديم .
وإن الإنسان ليأخذه الدهش والعجب , كما تغمره الروعة والخشوع , وهو يستعرض - بهذه المناسبة - ذلك الجهد الموصول من الرسل - عليهم صلوات الله وسلامه - لهداية البشرية الضالة المعاندة . ويتدبر إرادة الله المستقرة على إرسال هؤلاء الرسل واحدا بعد واحد لهذه البشرية المعرضة العنيدة .
وقد يعن للإنسان أن يسأل:ترى تساوي الحصيلة هذا الجهد الطويل , وتلك التضحيات النبيلة , من لدن نوح - عليه السلام - إلى محمد - عليه الصلاة والسلام - ثم ما كان بينهما وما تلاهما من جهود المؤمنين بدعوة الله وتضحياتهم الضخام ?
ترى هل تساوي هذا الجهد الذي وصفه نوح في هذه السورة وفي غيرها من سور القرآن , وقد استغرق عمرا طويلا بالغ الطول , لم يكتف قومه فيه بالإعراض , بل أتبعوه بالسخرية والاتهام . وهو يتلقاهما بالصبر والحسنى , والأدب الجميل والبيان المنير .
ثم تلك الجهود الموصولة منذ ذلك التاريخ , وتلك التضحيات النبيلة التي لم تنقطع على مدار التاريخ . من رسل يستهزأ بهم , أو يحرقون بالنار , أو ينشرون بالمنشار , أو يهجرون الأهل والديار . . حتى تجيء الرسالة الأخيرة , فيجهد فيها محمد (صلى الله عليه وسلم) ذلك الجهد المشهود المعروف , هو والمؤمنون معه . ثم تتوالى الجهود المضنية والتضحيات المذهلة من القائمين على دعوته في كل أرض وفي كل جيل ? ?