وتعرض على الجماعة المسلمة في مكة , وعلى الأمة المسلمة بعامة , وهي الوارثة لدعوة الله في الأرض , وللمنهج الإلهي المنبثق من هذه الدعوة , القائمة عليه في وسط الجاهلية المشتركة يومذاك , وفي وسط كل جاهلية تالية . . ترى فيها صورة الكفاح والإصرار والثبات هذا المدى الطويل من أبي البشرية الثاني . كما ترى فيها عناية الله بالقلة المؤمنة , وإنجاءها من الهلاك الشامل في ذلك الحين .
وتعرض على المشركين ليروا فيها مصير أسلافهم المكذبين ; ويدركوا نعمة الله عليهم في إرساله إليهم رسولا رحيما بهم , لا يدعو عليهم بالهلاك الشامل ; وذلك لما قدره الله من الرحمة بهم وإمهالهم إلى حين . فلم تصدر من نبيهم دعوة كدعوة نوح , بعدما استنفد كل الوسائل , وألهم الدعاء على القوم بما ألهم:
(ولا تزد الظالمين إلا ضلالا) . .
(وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا . إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) . .
ومن خلال عرض هذه الحلقة من حلقات الدعوة الإلهية على البشرية تتجلى حقيقة وحدة العقيدة وثبات أصولها , وتأصل جذورها . كما يتجلى ارتباطها بالكون وبإرادة الله وقدره , وأحداث الحقيقة الواقعة وفق قدر الله . وذلك من خلال دعوة نوح لقومه: (قال:يا قوم إني لكم نذير مبين . أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون . يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى , إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر , لو كنتم تعلمون) . . وفي حكاية قوله لهم: ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا ? ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا ? وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا ? والله أنبتكم من الأرض نباتا , ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا , والله جعل لكم الأرض بساطا لتسلكوا منها سبلا فجاجا . .