روى الإمام أحمد عن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادما له قط ولا ضرب امرأة ولا ضرب بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا خير بين شيئين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما حتى يكون إثما، فإذا كان إثما كان أبعد الناس من الإثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه إلا أن تنتهك حرمات الله، فيكون هو ينتقم لله عزّ وجل. وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إنما بعثت لأتمم صالح مكارم الأخلاق» تفرد به).
وقال صاحب الظلال عند قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ: (ودلالة هذه الكلمة العظيمة على عظمة محمد صلى الله عليه وسلم تبرز من نواح شتى:
تبرز من كونها كلمة من الله الكبير المتعال، يسجلها ضمير الكون، وتثبت في كيانه، وتتردد في الملأ الأعلى إلى ما شاء الله.
وتبرز من جانب آخر، من جانب إطاقة محمد صلى الله عليه وسلم لتلقيها. وهو يعلم من ربه هذا - قائل هذه الكلمة - ما هو؟ ما عظمته؟ ما دلالة كلماته؟ ما مداها؟
ما صداها؟ ويعلم من هو إلى جانب هذه العظمة المطلقة، التي يدرك هو منها ما لا يدركه أحد من العالمين.
إن إطاقة محمد صلى الله عليه وسلم لتلقي هذه الكلمة. من هذا المصدر. وهو ثابت.
لا ينسحق تحت ضغطها الهائل - ولو أنها ثناء - ولا تتأرجح شخصيته تحت وقعها وتضطرب ... تلقيه لها في طمأنينة وفي تماسك وفي توازن ... هو في ذاته دليل على عظمة شخصيته فوق كل دليل.
ولقد رويت عن عظمة خلقه في السيرة، وعلى لسان أصحابه روايات منوعة كثيرة. وكان واقع سيرته أعظم شهادة من كل ما روي عنه. ولكن هذه الكلمة أعظم بدلالتها من كل شيء آخر. أعظم بصدورها عن العلي الكبير. وأعظم بتلقي محمد لها وهو يعلم من هو العلي الكبير. وبقائه بعدها ثابتا راسخا مطمئنا. لا يتكبر على العباد، ولا يتعاظم، وهو الذي سمع ما سمع من العلي الكبير!
والله أعلم حيث يجعل رسالته. وما كان إلا محمد صلى الله عليه وسلم بعظمة نفسه هذه - من يحمل هذه الرسالة الأخيرة بكل عظمتها الكونية الكبرى. فيكون كفئا لها، كما يكون صورة حية منها.