19 -وقوله: {كُلُوا وَاشْرَبُوا} على إضمار القول؛ أي: يقال لهم من قبل خزنة الجنة دائمًا: كلوا واشربوا أكلا وشربًا. {هَنِيئًا} ؛ أي: مأمون العاقبة من التخم والسقم. فـ {هنيئًا} صفة لمصدر محذوف، أو طعاما وشرابا هنيئًا. فهو صفة مفعول به محذوف. فإنّ في ترك ذكر المأكول والمشروب دلالة على تنوعهما وكثرتهما. {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ؛ أي: بسبه أو بدله. وقيل: الباء زائدة، و"ما"فاعل هنيئًا. والمعنى عليه: هناكم ما كنتم تعملون؛ أي: جزاؤه.
والمعنى: كلوا مما رزقكم ربكم من الطيبات، واشربوا مما لذ وطاب بلا تعب في تحصيل الطعام والشراب، وبلا داء في تناولهما، وبلا خوف نفاد، وبلا إثم كما تشاهدون ذلك في طعام الدنيا وشرابها كفاء ما قدمتم من صالح الأعمال،
وآثرتم من تعب الدنيا لراحة الآخرة. فلا منَّ عليكم في هذا اليوم، وإنما منتي عليكم في الدنيا إذ هديتكم ووفقتكم للأعمال الصالحة؛ لأنّ هذا إنجاز الوعد.
قيل للربيع بن خيثم، وقد صلى طوال الليل: أتعبت نفسك، فقال: راحتها أطلب. ونحو الآية قوله تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) } .
وفي قوله: {هَنِيئًا} إشارة إلى خلو المآكل والمشارب مما ينغصهما، فإنّ الآكل قد يخاف المرض فلا يهنأ له الطعام، أو يخاف النفاد فيحرص عليه، أو يتعب في تحصيله وتهيئته بالطبخ والإنضاج، ولا يكون شيء من هذا في الآخرة.
وفي قوله: {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} إيماء إلى أن هذا إنجاز لما وعدهم ربهم به في الدنيا، فلا من عليهم فيه، بل كان المن عليهم في الدنيا بهدايتهم للإيمان. وتوفيقهم لصالح الأعمال. كما قال: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ} .