الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ: إِسْلَامُ الْأَبَوَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا، فَيَتْبَعُهُ الْوَلَدُ قَبْلَ الْبُلُوغِ. وَالْمَجْنُونُ لَا يَتْبَعُ جَدَّهُ، وَلَا جَدَّتَهُ فِي الْإِسْلَامِ، هَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي الْإِسْلَامِ، بَلْ تَخْتَصُّ التَّبَعِيَّةُ بِالْأَبِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَهُ وَالْوِلَايَةَ عَلَى الطِّفْلِ لَهُ، وَهُوَ عَصَبَةٌ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الطور: 21]
وَالذُّرِّيَّةُ إِنَّمَا تُنْسَبُ إِلَى الْأَبِ، وَخَالَفَهُ ابْنُ وَهْبٍ فَوَافَقَ الْجُمْهُورَ فِي تَبَعِيَّةِ الْأَبِ وَالْأُمِّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَتْبَعُ الْأَبَوَيْنِ، وَإِنْ عَلَوَا سَوَاءٌ كَانَا وَارِثَيْنِ، أَوْ لَمْ يَكُونَا وَارِثَيْنِ.
قَالَ أَصْحَابُهُ: فَإِذَا أَسْلَمَ الْجَدُّ، أَوِ الْأَبُ، أَوْ أَبُو الْأُمِّ تَبِعَهُ الصَّبِيُّ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَبُو الصَّبِيِّ حَيًّا قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ حَيًّا فَعَلَى وَجْهَيْنِ:
الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَتْبَعُهُ.
قَالُوا: فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ، فَإِنْ أَفْصَحَ بِالْإِسْلَامِ تَأَكَّدَ مَا حَكَمْنَا بِهِ، وَإِنْ أَفْصَحَ بِالْكُفْرِ فَقَوْلَانِ:
الْمَشْهُورُ أَنَّهُ مُرْتَدٌّ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ الْحُكْمُ بِإِسْلَامِهِ، فَأَشْبَهَ الْإِسْلَامَ اخْتِيَارًا، وَكَمَا إِذَا حَصَلَ الْعُلُوقُ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِكُفْرِهِ أَوَّلًا، وَأُزِيلَ تَبَعًا، فَإِذَا اسْتَقَلَّ زَالَتِ التَّبَعِيَّةُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى تَبَعِيَّتِهِ لِأُمِّهِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:""
«فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ» ""
وَإِنَّمَا أَرَادَ مَنْ وُجِدَ مِنْ أَبَوَيْهِ، فَإِذَا تَبِعَ أَحَدَ الْأَبَوَيْنِ فِي كُفْرِهِ فَلَأَنْ يَتْبَعَهُ فِي الْإِسْلَامِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.