عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، فِي قَوْلِهِ: {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} قَالَ: «بِمَنْزِلَةِ التَّنُّورِ الْمَسْجُورِ»
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} قَالَ: «الْمُوقَدِ» ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} قَالَ: «أُوقِدَتْ»
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَإِذَا الْبِحَارُ مُلِئَتْ، وَقَالَ: الْمَسْجُورُ: الْمَمْلُوءُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْمَسْجُورُ: الَّذِي قَدْ ذَهَبَ مَاؤُهُ
وَقَالَ آخَرُونَ: الْمَسْجُورُ: الْمَحْبُوسُ
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: وَالْبَحْرِ الْمَمْلُوءِ الْمَجْمُوعِ مَاؤُهُ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ مَعَانِي السَّجْرِ: الْإِيقَادُ، كَمَا يُقَالُ: سُجِّرَتِ التَّنُّورُ، بِمَعْنَى: أُوقِدَتْ، أَوِ الِامْتِلَاءُ عَلَى مَا وَصَفْتُ، كَمَا قَالَ لَبِيدٌ:
فَتَوَسَّطَا عَرَضَ السَّرِيِّ وَصَدَّعَا ... مَسْجُورَةً مُتَجَاوِرًا قُلَّامُهَا
وَكَمَا قَالَ الْنَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ الْعُكْلِيُّ:
إِذَا شَاءَ طَالَعَ مَسْجُورَةً ... تَرَى حَالَهَا النَّبْعَ وَالسَّاسَمَا
سَقَتْهَا رَوَاعِدُ مِنْ صَيْفِ ... وَإِنْ مِنْ خَرِيفٍ فَلَنْ يُعْدَمَا
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْأَغْلَبُ مِنْ مَعَانِي السَّجْرِ، وَكَانَ الْبَحْرُ غَيْرَ مُوقَدٍ الْيَوْمَ، وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مَسْجُورٌ، فَبَطَلَ عَنْهُ إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ، وَهُوَ الْإِيقَادُ صَحَّتِ الصِّفَةُ الْأُخْرَى الَّتِي هِيَ لَهُ الْيَوْمُ، وَهُوَ الِامْتِلَاءُ، لِأَنَّهُ كُلَّ وَقْتٍ مُمْتَلِئٌ
وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الْبَحْرَ الْمَسْجُورَ الَّذِي أَقْسَمَ بِهِ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَحْرٌ فِي السَّمَاءِ تَحْتَ الْعَرْشِ.
وَقَوْلُهُ: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} يَا مُحَمَّدُ، لَكَائِنٌ حَالٌّ بِالْكَافِرِينَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَقَوْلُهُ: {مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ}
يَقُولُ: مَا لِذَلِكَ الْعَذَابِ الْوَاقِعِ بِالْكَافِرِينَ مِنْ دَافِعٍ يَدْفَعُهُ عَنْهُمْ، فَيُنْقِذُهُمْ مِنْهُ إِذَا وَقَعَ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 21/}