ومن بيوت الفقراء نبت العلماء والفقهاء، والحكماء والقادة، وهم الصف الأول في إجابة الرسل والإيمان بهم: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) } [الحشر: 8] .
فأما الملأ الكبراء، فتقعد بهم كبرياؤهم، وتقعد بهم مصالحهم القائمة على الأوضاع المزيفة، والقائمة على احتقار من دونهم، ومن ثم يأنفون أن يسويهم التوحيد الخالص بعامة الناس، حيث تسقط القيم الزائفة كلها، وترتفع قيمة واحدة، قيمة الإيمان والعمل الصالح.
ترفع قومًا .. وتضع آخرين .. تعز قومًا .. وتذل آخرين.
وهذا ما يصد كثيرًا من الكبراء عن الإيمان كما قال الكفار لنوح - صلى الله عليه وسلم: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (115) } [الشعراء: 111 - 115] .
وقالوا لصالح - صلى الله عليه وسلم: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) } [هود: 27] .
فما أجهل هؤلاء بربهم .. وما أضلهم عن معرفة سنة الله في خلقه.
إن الفقر والغنى من سنة الله في عباده، فالفقر له أوامر وله أهل، والغنى له أوامر وله أهل، والله يعلم من يصلح لهذا، ومن يصلح لهذا، ولكل منهما عبودية، فعبودية الفقر الصبر، وعبودية الغنى الشكر.