والمعنى: فأعرض عنهم أيّها الرسول، ولا تأسَّف على تخلفهم عن الإسلام فإنك لم تأل جهدًا في الدعوة. وهم ما زادوا إلا عتوا واستكبارًا، وطغيانًا، وإعراضًا، ودم على العظة والنصح، فإنَّ الذكرى تنفع من في قلوبهم استعداد للهداية والرشاد.
56 -وجملة قوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ ...} إلخ، مستأنفة مقررة لما قبلها. لأنَّ كون خلقهم لمجرد العبادة مما ينشط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للتذكير، وينشطهم للإجابة؛ أي؛ وما خلقت المؤمنين من الجن والإنس {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} أي، إلا ليطيعونني، ويعرفونني. قال القشيري: والآية دخلها التخصيص بالقطع؛ لأنَّ المجانين لم يؤمروا بالعبادة، ولا أرادها منهم. وقد قال: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} . ومن خلق لجهنم لا يكون ممن خلق للعبادة. فالآية محمولة على المؤمنين منهم. ويدل عليه قراءة ابن مسعود، وأبيِّ بن كعب {وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون} .
وقال مجاهد: إنّ المعنى: إلا ليعرفوني. قال الثعلبيّ: وهذا قول حسن؛ لأنّه لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده. وروي عن مجاهد أنه قال:
المعنى: إلا لآمرهم وأنهاهم ويدل عليه قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} . واختار هذا الزجاج.
وقال الواحدي: مذهب أهل المعاني في معنى الآية: إلا ليخضعوا لي، ويتذللوا. ومعى العبادة في اللغة: الذل والانقياد. وكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله تعالى، مذلل لمشيئته، خلقه على ما أراد، ورزقه كما قضى، لا يملك أحد لنفسه خروجًا عما خلق عليه.
والحاصل: أنهم خلقوا للعبادة تكليفًا واختيارًا لا جبلة وإجبارًا. فمن وفقه وسدده أقام العبادة التي خلق لها، ومن خذله وطرده حرمها، وعمل بما خلق له. وفي الحديث:"اعملوا فكل ميسر لما خلق له"، كما في"عين المعاني".