على باطلهم {واستكبروا استكباراً} فكان آخر ما قال عليه الصلاة والسلام: {رب لا تذر على الأَرض من الكافرين دياراً} ودعا ربه أني مغلوب فانتصر، قال الله تعالى: {ففتحنآ أبوب السماء بماء منهمر وفجرنا الأَرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد قدر} ولهذا والله أعلم سيكون عليهم نصيب من عذاب المكذبين لأنهم هم أول أمة كذبت الرسل، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، كما أن من قتل نفساً فإن على ابن آدم الذي قتل أخاه كفلاً ونصيباً من عذاب القاتل إلى يوم القيامة.
ثم قال عز وجل: {والسماء بنينها بأيد وإنا لموسعون} السماء مفعول لفعل محذوف والتقدير، وبنينا السماء، وقوله: {بأيد} أي: بقوة، كما قال الله تعالى: {وبنينا فوقكم سبعاً شداداً} فالأيد هنا أي القوة، وليست جمع يد كما يتوهم بعض الناس، ويظنون أن الله تعالى بنى السماء بيديه عز وجل؛ لأن الأيد هنا مصدر آد يئد بمعنى القوة، كما يقال باع يبيع بيعاً، ولهذا لم يضف الله هذه الكلمة إلى نفسه الكريمة كما أضافها إلى نفسه الكريمة في قوله تعالى: {أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ أنعماً} فمن فسر الأيد بالقوة هنا فإنه لا يقال: إنه من أهل التأويل الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، بل هو من التأويل الصحيح، والإنسان إذا تأمل وتفكر في السماوات عرف أنها قوية شديدة
عظيمة، وأن قوتها تدل على قوة بانيها - عز وجل - {وإنا لموسعون} أي: لموسعون لأرجائها، لأنها واسعة عظيمة، ولهذا كانت السماوات أكبر بكثير من الأرض، وهي محيطة بالأرض من كل جانب، وعلى هذا فتكون أوسع من الأرض، وليست الأرض بالنسبة للسماء إلا شيئاً يسيراً، {والأَرض فرشنها} أي: فرشنا لأهلها، جعلناها لهم كالفراش يأوون إليها ويتمتعون بها، لم يجعلها الله تعالى صعبة ولا سهلة، بل هي متوسطة لو كانت لينة رخوة ما تمكن أحد من البقاء عليها، ولو كانت صعبة ما تمكن أحد من الانتفاع بها، ولكنها كانت كما وصفها الله - عز وجل: {هو الذي جعل لكم الأَرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور} .