الأول: ذكرنا أن هذه الأمور الأربعة يجوز أن تكون أموراً متباينة ، وأن تكون أمراً له أربعة اعتبارات . والأول هو المأثور عن علي رضي الله عنه: أن الذاريات هي الرياح ، والحاملات هي السحاب ، والجاريات هي السفن ، والمقسمات هي الملائكة . واختار بعضهم في الجاريات أنها الكواكب ؛ ليكون ذلك ترقياً من الأدنى إلى الأعلى
، فالرياح فوقها السحاب ، والنجوم فوق ذلك ، والملائكة فوق الجميع ، تنزل بأوامر الله الشرعية والكونية .
واستظهر الرازي أن الأقرب أن تكون صفات أربع للرياح ، وأطال في ذلك .
واللفظ متسع بجوهره للكل ، والله أعلم .
الثاني: فائدة الفاء إن قيل: إنها صفات للرياح ، فلبيان ترتيب الأمور في الوجود ؛ فإن الذاريات تنشئ السحاب ، فتقسم الأمطار على الأقطار . وإن قيل: إنها أمور أربعة ، فالفاء للترتيب الذكريّ أو الرتبيّ .
الثالث: ذكر الرازي في الحكمة في القسم وجوهاً:
أحدها: أن الكفار كانوا في بعض الأوقات يعترفون بكون النبي صلى الله عليه وسلم غالباً في إقامة الدليل ، وكانوا ينسبونه إلى المجادلة ، وإلى أنه عارف في نفسه بفساد ما يقوله ، وأنه يغلبنا بقوة الجدل لا بصدق المقال . كما أن بعض الناس إذا أقام عليه الخصم الدليلَ ولم يبقِ له حجة ، يقول: إنه غلبني لعلمه بطريق الجدل ، وعجزي عن ذلك . وهو يعلم في نفسه أن الحق بيدي ، فلا يبقى للمتكلم المبرهن طريق غير اليمين ، فيقول: واللهِ إن الأمر كما أقول ، ولا أجادلك بالباطل . وذلك لأنه لو سلك طريقاً آخر من ذكر دليل آخر ، فإذا تمّ الدليل الآخر يقول الخصم فيه مثل ما قال في الأول ، إن ذلك تقرير بقوة علم الجدل ، فلا يبقى إلا السكوت ، أو التمسك بالإيمان ، وترك إقامة البرهان .