ثم إنه تعالى أعاد في هذه السورة قصص الأنبياء المشهورين مع أممهم اعتباراً لهذه الأمة ، وبدأ بقصة موسى لما فيها من غرائب الأحوال وعجائب الأمور. والنداء المسموع عند الأشعري هو الكلام القديم الذي لا يشبه الحروف والأصوات ، وعند المعتزلة وإليه ميل أبي منصور الماتريدي أنه من جنس الحروف والأصوات وأنه وقع على وجه علم به موسى أنه من قبل الله تعالى وقد عرفه أنه سيظهر عليه المعجزات إذا طولب بذلك. قال جار الله: قوله {ألا يتقون} كلام مستأنف فيه تعجيب لموسى من حالهم الشنعاء في قلة خوفهم وكثرة ظلمهم ، أو حال أدخلت عليه همزة الإنكار. ثم إن موسى خاف أن يذكب عند أداء الرسالة فاستظهر بهارون. وفي قراءة النصب خاف التكذيب المستتبع لضيق الصدر المستلزم لاحتباس اللسان عن الجريان في الكلام ، ولعله أراد بهذه الحبسة عقدة في لسانه قبل إجابة دعوته أو بقية يروى أنها بقيت بعد الإجابة كما مر في"طه". ومعنى {فأرسل إلى هارون} أرسل إليه جبريل واجعله نبياً يصدقني في أمري فاختصر الكلام اختصاراً. ثم ذكر أن لهم عليه ذنباً فسمى جزاء الذنب ذنباً ، أو المضاف محذوف أي تبعه ذنب وهو قود قتل القبطي كما سيجيء تفصيله في سورة القصص. فيمكن أن يقتل قبل أداء الرسالة فلا يتمكن من المقصود ، وهذا قد جوزه الكعبي وغيره من البغداديين. وقال الأكثرون: الأقرب من حال الأنبياء أنهم يعلمون إذا حملهم الله تعالى الرسالة أنه يمكنهم من أدائها فلا معنى للخوف من القتل قبل الأداء. نعم لو خاف بعد الأداء جاز وذلك لما جبل عليه طبع الإنسان من التنفر عن القتل فيسأل الله الأمان من ذلك وقد جمع الله له بقوله {كلا} الكلاءة وبقوله {فاذهبا} استنباء أخيه كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت وهارون {ومعكم ومستمعون} خبران لأن أو الخبر {مستمعون} و {معكم} متعلق به. ولا يخفى ما في المعية من المجاز لأن المصاحبة من صفات الأجسام ، فالمراد