وقرأ الجمهور: {أن كنا} بفتح الهمزة، وفيه الجزم بإيمانهم، وقرأ أبان بن تغلب وأبو معاذ {إن كنا} - بكسر الهمزة - قال صاحب"اللوامح": على الشرط، وجاز حذف الفاء من الجواب؛ لأنه متقدم، وتقديره: إن كنا أول المؤمنين فإنا نطمع، وحسن الشرط لأنهم لم يتحققوا مآلهم عند الله تعالى من قبول الإيمان. انتهى وهذا التخريج على مذهب الكوفيين وأبي زيد والمبرد حيث يجيزون تقديم جواب الشرط عليه، ومذهب جمهور البصريين أن ذلك لا يجوز، وجواب مثل هذا الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. وقال البيضاوي: وقرئ {إن كنا} : على الشرط لهضم النفس وعدم الثقة بالخاتمة، أو على طريقة المدل بأمره: إن أحسنت إليك فلا تنس حقي اهـ.
تنبيه: قوله تعالى: {قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50) } قاله هنا بحذف لام التأكيد، وفي الزخرف قاله بإثباتها {لَمُنْقَلِبُونَ}
فَإِنْ قُلْتَ: فما الفرق بين الموضعين؟
قلت: لأن ما هنا كلام السحرة حين آمنوا, ولا عموم فيه، فناسب عدم التأكيد، وما في الزخرف عام لمن ركب سفينة أو دابة فناسبه التأكيد.
قال ابن عطاء: من اتصلت مشاهدته بالحقيقة احتمل معها كل وارد عليه من محبوب أو مكروه، ألا ترى أن السحرة لما صحت مشاهدتهم كيف قالوا: {لَا ضَيْرَ} .
وكان جعفر ابن عم النبي - صلى الله عليه وسلم - آخذ اللواء في بعض الغزوات بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضده حتى قتل، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة،
فأثابه الله تعالى بذلك جناحين في الجنة، يطير بهما حيث شاء، ولذلك قيل له: جعفر الطيار، وهكذا شأن من هو صادق في دعواه فليخفف ألم البلاء عنك علمك بأن الله تعالى هو المبتلي، لكن هذا العلم إذا لم يكن من مرتبة المشاهدات لا يحصل التخفيف التام، فحال السحرة كانت حال الشهود والجذبة، وكان حال عمر - رضي الله عنه - حين الإيمان كحال السحرة، وبالجملة إن الإيمان وسيلة الإحسان, فمن سعى في إصلاح حاله في باب الأعمال أوصله الله تعالى إلى ما أوصل إليه أرباب الأحوال، كما قال عليه السلام:"من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم". انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 20/ 197 - 206} ...