وصيغة التفعيل وهو التقطيع لكثرة الأيدي والأرجل، كما تقول: فتحت الباب، وفتحت الأبواب. وقال بعضهم: من للتعليل؛ أي: من أجل خلاف ظهر منكم، وذلك لأن القطع المذكور لكونه تخفيفًا للعقوبة، واحترازًا عن تفويت منفعة البطش على الجاني لا يناسب حال فرعون ولما هو بصدده، إلا أن يحمل على حمقه حيث أوعد لهم في موضع التغليظ بما وضع للتخفيف، انتهى. وذلك وهم محض؛ لأنه يدفعه قوله: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ} على شاطئ البحر كلكم {أَجْمَعِينَ} قال في"الكشف"؛ أي: أجمع عليكم التقطيع والصلب، روي أنه علقهم على جذوع النخل حتى ماتوا, ولكن ليس في الآية ما يدل على أن فرعون فعل ذلك أو لم يفعل، وفي الأعراف {ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ} فأوقع المهلة؛ ليكون هذا التصليب بعذابهم أشد. ويجمع بين ما في الموضعين بجعل {الواو} هنا بمعنى ثم؛ لأن المهلة أغلظ في التعذيب.
وحاصل معنى الآية: {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ} ؛ أي: قال لهم فرعون: أتؤمنون به قبل أن تستأذنوني، وقد كان ينبغي أن تفعلوا ذلك، وأن لا تفتاتوا علي، فإني أنا الحاكم المطاع، ثم التمس لإيمانهم عذرًا آخر غير انبلاج الحق؛ ليعمي على العامة، ويصرفهم عن وجه الحق، فقال: {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ} ، فأنتم فعلتم ذلك عن مواطأة بينكم وبينه، ولا شك أن هذا تضليل لقومه، ومكابرة ظاهرة البطلان، فإنهم لم يجتمعوا بموسى قبل ذلك اليوم، فكيف يكون هو كبيرهم الذي أفادهم صناعة السحر، ثم توعدهم، فقال: {فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} وَبَال ما فعلتم، وسوء عاقبة ما اجترحتم، ثم بين ذلك بقوله: {لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} الخ؛ أي: لأقطعن اليد اليمنى من كل منكم، والرجل اليسرى، ثم لأصلبنكم أجمعين بعد ذلك.
50 -فأجابوه غير مكترثين بقوله، ولا عابئين بتهديده بأمرين كل منهما دليل على اطمئنان النفس وبرد اليقين:
1 - {قَالُوا} ؛ أي: السحرة المؤمنون {لَا ضَيْرَ} ؛ أي: لا ضرر علينا في تنفيذ وعيدك، ولا نبالي به؛ لأن كل حي لا محالة ميت:
وَمَنْ لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ مَاتَ بِغَيْرِهِ ... تَعَدَّدَتِ الأسْبَابُ وَالْمَوْتُ وَاحِدُ