قيل: إنها لما صارت حية ارتفعت في السماء قدر ميل. ثم انحطت مقبلة إلى فرعون، فقال بالذي أرسلك إلا أخذتها، فأخذها موسى فعادت عصا كما كانت، وقد تقدم تفسير هذا وما بعده في سورة الأعراف واشتقاق الثعبان من ثعبت الماء في الأرض فانثعب، أي: فجرته فانفجر، وقد عبر سبحانه في موضع آخر مكان الثعبان بالحية بقوله: (فإذا هي حية تسعى) وفي موضع بالجان، فقال: (كأنها جانٌ) والجانّ هو المائل إلى الصغر، والثعبان هو المائل إلى الكبر، والحية جنس يشمل الكبير والصغير.
(ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين) خلاف ما كانت عليه من الأدمة فيه دليل على أن بياضها كان شيئاً يجتمع النظارة على النظر إليه لخروجه عن العادة، وكان بياضها نورياً، قال ابن عباس يقول: وأخرج موسى يده من جيبه، فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين لمن ينظر إليها ويراها من غير برص، لها شعاع كشعاع الشمس يكاد يغشي الأبصار، ويسد الأفق.
(قال للملأ) مستقرين (حوله إن هذا لساحر عليم) فائق في علم السحر، وكان زمان السحر فلهذا روج فرعون هذا القول على قوله، ثم قال على سبيل التنفير:
(يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره) لئلا يقبلوا قول موسى عليه الصلاة والسلام.
(فماذا تأمرون) أي ما رأيكم فيه؟ وما مشورتكم في مثله؟ فأظهر لهم الميل إلى ما يقولونه تألّفاً لهم، واستجلاباً لمودتهم، لأنه قد أشرف ما كان فيه من دعوى الربوبية على الزوال، وقارب ما كان يعزز به عليهم الاضمحلال، وإلا
فهو أكبر تيهاً، وأعظم كبراً من أن يخاطبهم مثل هذه المخاطبة، المشعرة بأنه فرد من أفرادهم، وواحد منهم، مع كونه قبل هذا الوقت يدعي أنه إلههم، ويذعنون له بذلك ويصدقونه في دعواه.