فهذا المتأخر من أصحاب الشافعي الذي قال: إن استتابة الزنديق جائزة قال قولاً لم يصح لأحد.
القول الثالث: إنما لم يقتلهم مصلحةً لتأليف القلوب عليه لئلا تنفر عنه ؛ وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى بقوله لعمر:"معاذ الله أن يتحدّث الناس أني أقتل أصحابي"أخرجه البخاري ومسلم.
وقد كان يُعطي للمؤلفة قلوبهم مع علمه بسوء اعتقادهم تألُّفاً ؛ وهذا هو قول علمائنا وغيرهم.
قال ابن عطية: وهي طريقة أصحاب مالك رحمه الله فِي كفّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ؛ نصّ على هذا محمد بن الجَهْم والقاضي إسماعيل والأبهري وابن الماجشون ، واحتج بقوله تعالى: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} [الأحزاب: 60] إلى قوله: {وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً} [الأحزاب: 61] .
قال قتادة: معناه إذا هم أعلنوا النفاق.
قال مالك رحمه الله: النفاق فِي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزّندقة فينا اليوم ؛ فيُقتل الزنديق إذا شُهِد عليه بها دون استتابة ؛ وهو أحد قولي الشافعي.
قال مالك: وإنما كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ليبيّن لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه ؛ إذ لم يُشْهَد على المنافقين.
قال القاضي إسماعيل: لم يشهد على عبد اللَّه ابن أُبَيٍّ إلا زيد بن أَرْقَم وحده ، ولا على الجُلاَس بن سويد إلا عُمَير بن سعد ربِيبه ؛ ولو شهد على أحد منهم رجلان بكفره ونفاقه لقتل.
وقال الشافعيّ رحمه الله محتجًّا للقول الآخر: السُّنة فيمن شُهد عليه بالزندقة فجحد وأعلن بالإيمان وتبرأ من كل دين سوى الإسلام أن ذلك يمنع من إراقة دمه.
وبه قال أصحاب الرأي وأحمد والطبري وغيرهم.
قال الشافعي وأصحابه: وإنما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم ؛ لأن ما يظهرونه يَجُبُّ ما قبله.