فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 8348

-وردت الأساليب الخبرية في شعره وفق مقتضى المقام، كما أنه استخدم أضرب الخبر والمقامات التنزيلية فيها بأبلغ ما يمكن استخدامه في كلام الشاعر البليغ، وكثر عنده خروج الخبر على خلاف مقتضى الظاهر؛ لأن أمثلة الخروج عنده تفوق على الأخبار الواردة على مقتضى الظاهر، وأعتقد أن سبب ذلك يرجع إلى طبيعة أغلب القصائد عنده فهي نظمت للرد على الأعداء، فاستطاع بمهارته الفائقة أن يبين بها عن خلجات قلبه، ومكنون نفسه، بالتوكيد مرّة، وبعدمه أخرى، وبإخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر إن احتيج إليه، كما أنه استخدم الأسلوب الخبري لأغراضٍ بلاغية أخرى بكل جدارة، ويغلب غرض الفخر عنده على الأغراض البلاغية الأخرى من إلقاء الخبر، وأهم وأبرز الأغراض البلاغية الأخرى عنده هي التعريض بالمشركين، والتهديد، والحث على الثبات، والوصف،وإظهار التحسر والتوجع، وإذكار التفاوت العظيم بين شيئين (المفارقات) وما إلى ذلك، وحتى في الأغراض الأخرى عنده نشمّ منها رائحة الفخر، وكثر الإسناد المجازي في شعره، والعلاقة السببية أكثر استخدامًا عنده، ثم العلاقة الزمانية، فالعلاقة المكانية،فالعلاقة المصدرية،فالعلاقة المفعولية.

-لكل من الخبر والإنشاء مقامات يحسن فيها، وقد وردا في ديوانه حسب مقتضى الحال، ونجد من خلال دراسة ديوانه أنه لم يستخدم أسلوب التعجب من صيغتيه القياسيتين، وأسلوب الذم بـ"بئس"و"صيغ العقود، ولم يستخدم"رب"الخبرية إلا محذوف الأداة. ولم يرد في شعره أسلوب التمني بـ"ليت"وأسلوب الترجي بـ"لعل"و"عسى"وهذه الظاهرة لها دلالات عميقة تتصل بنفس الشاعر الأبيّة، التي لم يخلق للخضوع أمام نوائب الدهر، وترك الزفرات والحسرات وراء السراب الذي ليس وراءه شيئًا حقيقيًا، فإنها تعرف أن حقيقته كما ذكر عنه الله - عز وجل- في قوله (حتى إذا جاءه لم يجده شيئا) (النور:39) ."

-لم نجد في شعره تقديمًا أو تأخيرً أو ذكرًا أو حذفًا إلا لغرض بلاغي يعمد إليه عمدًا، كما أن ديوانه مليء بأمثلة خروج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، فإن كعب -?- يتفنن في ذلك حسب ظروف الكلام ومواقعه، فيضع الظاهر موضع المضمر وأحيانًا يضع المضمر موضع الظاهر، وأحيانًا يستخدم أسلوب الالتفات، وغالبًا ما يلجأ الشاعر إلى هذا الأسلوب في سياق الرثاء، وأحيانًا يعبر عن الماضي بلفظ المستقبل ويعكسه أحيانًا أخرى وكل ذلك لأغراض بلاغية حسب ما يقتضيه المقام.

-وقد استخدم كعب -?- أدوات القصر وطرقه وأقسامه حسب مفهوم البلاغيين، وأكثر الطرق استخدامًا عنده التقديم، ثم النفي والاستثناء، ثم"إنما"، ثم"العطف"، فإن طريق العطف أقلّ شيوعًا عنده، واستخدمها غالبًا في بيان المفارقات، وطريق"إنما"غالبًا استخدمت عنده في قصر القلب، وطريق النفي والاستثناء التي تأتي في الأمور المشكوكة استخدمها في بيان عقيدة التوحيد غالبًا، مراعاةً للمخاطبين، وتأسيًا بكتاب الله المبين، أما طريق"التقديم"فهي شائعة في شعره، وخاصة تقديم الجار والظرف، وغالبًا ما نجدها في سياقات الفخر بالإسلام وبالنبي-صلى الله عليه وسلم-، وفي سياق المدح أحيانًا. والقصر الحقيقي كثر عنده في بيان عقيدة التوحيد وفي وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي وصف جبرئيل مرة، والملاحظ أن الغالب في القصر الحقيقي هو طريق النفي والاستثناء، وفي القصر الإضافي أخذ قصر القلب نصيب الأسد، وهذا يلائم ما وكّل إليه من مهمة إعلامية والردّ على أعداء الإسلام، ثم يأتي ثانيًا قصر الإفراد، وأخيرًا قصر التعيين، وما من مثال للتعيين إلا وهو محتمل للقلب -أيضًا-.

-وأمثلة الفصل والوصل موجودة عنده بأبهى صورها، وأجمل شكلها، ففصل الجمل ووصلها حسب ما اقتضاه المقام، فإنه كان عربيًا فصيحًا يعرف مواقع الكلام، ومواضع الفصل من الوصل، فلم يخالف في شعره كله ما قرره البلاغيون من مواضعهما، ولم أجد عنده أكثر من شاهد واحد لشبه كمال الاتصال في مواضع الفصل، كما أنني لم أطلع على أكثر من شاهد للوصل لكمال الانقطاع مع إيهام خلاف المراد إذا ترك العطف، وربما سببه يرجع إلى أن هذا يكثر استخدامه في الأسلوب النثري دون الشعري.

أما بالنسبة للإيجاز والإطناب فقد جاء كل واحد منهما في شعره، وبالنظر إلى دواعي الإطناب في عصره، وفي مهمته التي وكل إليها نجد أنه أكثر من استخدام أنواعه، والإيغال خاصة له أمثلة رائعة في ديوانه، والملاحظ أنه في شعره التاريخي أكثر استطرادًا من غيره، حتى وصل به الأمر إلى أن قال بعضهم إن هذا النوع من شعره أقرب ما يكون إلى النثر، والإيجاز بنوعيه ورد عنده -أيضًا- بكثرة، وساعده في ذلك المصطلحات الإسلامية والألفاظ الشرعية التي تحمل في طيّاتها معانٍ كثيرة -إضافة إلى معانيها اللغوية -، وهذا ما لا نجده عند الجاهليين، وبالتالي الإيجاز بالقصر يفوق في شعره على الإيجاز بالحذف، ومردّ ذلك إلى موقفه الشعوري والنفسي، وتأثره بالإسلام تأثرا قويًا في المعاني والأفكار والصياغة والألفاظ الجديدة، وسرعة تقبله لهذا التغير في جميع المجالات، وأروع الإيجاز عنده في أبيات الحكمة -وإن كانت قليلة-، وفي النقائض.

هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

إعداد الباحث

عبد الغني القوفي بن محمد ثناء الله

الطالب في كلية اللغة العربية

قسم الأدب والبلاغة

التاريخ: 26/ 4/1427هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت