فهرس الكتاب

الصفحة 3593 من 8348

ـ [عبد الله عبد الله] ــــــــ [20 - Oct-2009, مساء 05:26] ـ

السلام عليكم

تجد رأيه في مقاله المرفق

مدينة السلام للأمير شكيب أرسلان

مجلة الثقافة 5/ 4/1933

تاريخ بغداد أو مدينة السلام للحافظ أبي بكر احمد بن علي الخطيب وضعه في أزهى عصور الإسلام منذ تأسيسها إلى وفاته عام 463

يشتمل على وصفها وتخطيطها وتراجم من كان فيها من الخلفاء والملوك والأمراء والوزراء والأشراف والعلماء من جميع الطبقات. وقد ظهر منه عشرة مجلدات ولا يزال مجلدان تحت الطبع. وهو بأجمعه يأتي في 4800 صفحة طبع للمرة الأولى بنفقة مكتبة الخانجي بالقاهرة والمكتبة العربية ببغداد ومطبعة السعادة بجوار محافظة مصر سنة 1349 وفق سنة 1931.

هذا الكتاب لا يوجد في أدباء العربية من لم يسمع به فهو من أشهر التواريخ وهو لبغداد كتاريخ ابن العساكر لدمشق. ولم أكن أطلعت عليه وإنما أهدانيه أحد أصدقائي من كبار العراقيين جزاه الله خيرًا. فوقعت عليه وقوع الذباب على الحلوآء. وبدأت بدرس الجزء الأول منه فأعجبني جدًا بيانه السهل الممتنع وهو في رواياته يعتمد على أسلوب علمائنا في العنعنة مع مزيد التحري. وهو أسلوب لا يقدر عاقل أن يطعن فيه لأن الرواية يجب للثقة بها الإطلاع على اسانيدها من كل الجهات وإلا فلا يكون التاريخ تاريخًا. وها نحن أولاء نرى علماء الإفرنجة يبالغون في التدقيق والتمحيص وقد يحررون عن واقعة واحدة كتابًا كثير الورق يبلغون فيه الأمد الأقصى من الأخذ والرد بتصفح وجوه الروايات ومقابلتها بعضها ببعض ويذكرون المصادر التي أخذوا عنها مع تبيين الكتاب والصفحة والسطر والطبعة أية سنة كانت وما أشبه ذلك. فمذهب العنعنة في الإسلام لا يؤتى ولا من جهة. وغاية ما يقول أنه يجوز للكتاب في حال اختصاره حذف أسانيده.

وأما أهمية هذا الكتاب فهي على نسبة أهمية البلدة التي وضع لأجلها. فبغداد في الحقيقة تمثل مدينة الإسلام لأنها أكبر بلدة عمرها المسلمون بأيديهم وكانت حضارتها إسلامية من أولها إلى آخرها. ولم تبلغ بلدة في الإسلام ما بلغته دار السلام من عظمة وسعة وثروة ونعيم. وجميع مدن الإسلام التي اشتهرت في التاريخ كدمشق وحلب والقاهرة والقيروان وفاس وقرطبة والبصرة واصفهان وسمرقند وغيرها إنما تأتي رديفة لبغداد.

ذكر الحافظ ابن الخطيب في الصفحة الأولى من الجزء الأول قال: أخبرنا عبد العزيز بن أبي الحسن القرميسيني قال سمعت عمر بن احمد بن عثمان يقول: سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول قال لي الشافعي: يا يونس دخلت بغداد؟ قال قلت: لا. قال: ما رأيت الدنيا.

ليتأمل الإنسان أن قائل هذا القول هو الإمام الشافعي رضي الله عنه الذي لم يكن ممن تزدهيه الدنيا ولا ممن تسكره زينتها ولا ممن يأخذ بلبه زخرفها ولكنه برجاجة عقله كان في مقدمة الرجال الذين يقدرون الأمور أقدارها فهو يقول: أن من لم ير بغداد لم يعرف الدنيا. وحاشا أن يكون مثل الشافعي موصوفًا بالمبالغة فبغداد في عنجهية أمرها كانت المثل الأعلى للحضارة فمن لم يكن شاهدها لم يكن شاهد المثل الأعلى من العمران. ولا نظن أنه كان يوجد في العالم كله لا في العالم الإسلامي فقط بلدة تضارع بغداد في العظمة لعهد المنصور والمهدي والرشيد. فإن رومة في ذلك العصر كانت انحطت عن درجتها المعلومة وأنه لم يكن في أوربة لذلك العهد مدينة تساوي شطرًا من بغداد فضلًا عن أن تعادل بغداد نفسها. نعم كانت القسطنطينية في ذلك العصر مدينة عظيمة وكانت وقتئذ عاصمة النصرانية بلا نزاع ولكنها لم تبلغ في العظمة والضخامة ما بلغته بغداد في القرنين الأولين من بنائها. فيمكننا أن نقول أن رئاسة حواضر الدنيا انتهت لبغداد لمدة قرنين أن لم يكن ثلاث. نعم لا نعلم درجة عظمة حواضر الصين والهند لذلك العهد إلا أننا نرجح أنه لم يكن منها ما يعادل بغداد في ذيك القرنين الثاني والثالث للهجرة ولو كانت ثمة مدن تعادل بغداد لكان انتشر خبرها وقيست إلى بغداد في عظمتها لأن العرب كانوا على اتصال مستمر بالهند والصين وكانت السفن تختلف بين سيراف وكنتون بالسهولة التي تختلف فيها الآن بين شربورغ ونيويورك أو سوثمبتون ونيويورك.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت