ـ [رشيد الكيلاني] ــــــــ [14 - Feb-2010, مساء 03:39] ـ
القسم الثالث:
تكلَّمنا في القِسم الثَّاني عن الملامِح الرَّئيسة لمنهج الآلوسي في التأليف، وتناولنا اتجاهاتِ وأهدافَ التأليف عند الآلوسي - رحمه الله - والغايات التي سعى في تحقيقِها من خلال نشاطه العلمي والأدبي، وختمنا البحث بسرْدٍ كاملٍ لمؤلَّفاته المطبوعة والمخطوطة، ونتناول في هذا البحْث مَا لا يقلُّ أهمّيَّة عن مؤلَّفاته العلميَّة والأدبيَّة، ألا وهي مراسلاتُه مع معاصريه من علماء، وأُدباء ومفكِّرين، من مسلمين وعرب ومستشْرقين، والتي هي عبارة عن رسائلَ ووثائق، كان الآلوسي يتواصل من خلالِها مع مثقَّفي عصرِه لمتابعة كلِّ ما يستجد من تطوُّرات في الجانب العلمي، وتكشف النِّقاب عن العلاقات الفكريَّة والمعرفيَّة بين النخب المثقفة، وسنحاول في البحث تناول ما يلي:
موقع الآلوسي كعالم ومصلِح بين علماء عصره، ومِن خلال مراسلاته معهم، ثم نُتْبِع ذلك ببيان منهجِه وأسلوبه في مراسلاته، والأهْداف الَّتي كان يقصدها من ذلك، ونَختم البحث بسرْدٍ لما تحصَّل لديْنا من مراسلات مع عُلماء عصره بقدر المستطاع، وبالله التوفيق.
توطئة:
بلغتْ شهرة الآلوسي - رحمه الله - الآفاق، وذاع صيته في كل واد وناد، خاصة في أوائل القرن الرابع عشر الهجري وما قبل ذلك، بعد أنِ انتهى من تحبير كتابه الموسوم بـ"بلوغ الأرب في أحوال العرب"، والذي فاز به في مضْمار لجنة اللغات الشرقيَّة في أستكهولم بدعوة من ملك النرويج [1] ( http://www.alukah.net/articles/1/10246.aspx#_ftn1) ، وقد استوعب الكتاب أحوالَ العرب وعوائدهم في الجاهليَّة، وبعث إليه على إثرِها الكنت كرولدي لندبرج برسالتَين أثنى بهما عليه [2] ( http://www.alukah.net/articles/1/10246.aspx#_ftn2) ، وازدادت شهرته وسطع نجمه بعد أن خلع ربقة التَّقليد من عنقه، ونالتْ يده من خزائن كتُب عمِّه نعمان الآلوسي، والَّتي فتحت له آفاقًا واسعة في العلم، والتعرُّف على دعاة الإصلاح والاتِّصال بهم، وكان ذلك من الدَّوافع للمراسلة لما يرِدُ عليه من أسئلة وفتاوى واستفسارات، بالرَّغم من صعوبة المراسلة وكُلْفَتها آنذاك، فبدأتْ مراسلاته مع أغلب مثقَّفي العالم من علماء وأدباء ودعاة إصلاح، وعرب ومستشرقين، وقد تناولت المراسلات كلَّ ما يهم المفكر المصلح الغيور على تراث أمَّته وعروبتها، والمحافظة على دينها وعقيدتها، كما سيأتي بيانه.
ثروة علميَّة:
تعتبر تلك الرسائل المتبادلة بين الآلوسي وعلماء عصره ثروةً من المنظور العلمي والتَّربوي؛ لما تضمَّنتْه من معلومات وإشارات ربَّما لم تحوِها حتَّى الكتب والمصنَّفات، وتعطينا مادَّة معرفيَّة عن النشاط الفكري في تلك الحقبة - بالرَّغم من تعرُّض الأمَّة الإسلاميَّة والعربيَّة للاستعمار الغربي يومئذ - وحرص علمائها وأدبائها بمختلف اتِّجاهاتهم على متابعة كلِّ ما يجري ويدور، ويكتب وينشر، وخاصَّة فيما يتعلَّق بالمخطوطات - اللغويَّة والشَّرعيَّة والأدبيَّة والتَّاريخيَّة - التي عثر عليها، والَّتي لولا جهودُهم لمَّا تسنَّى لنا الاطلاع عليها، وغالب تلك الرسائل - بل أغلبُها - هي التي تبادلَها الآلوسي - رحمه الله - مع أنستاس ماري الكرملي، حيث تَجاوزت 547 رسالة، مضمونُها في جمع الكتب، والحصول عليْها أو تبادلها وطبعها، وأسعار ومشاكل النساخ، إضافة إلى ما يعترض ذلك من مشاكل، منها على سبيل المثال: عدم الاطلاع على النُّسخة الخطّيَّة أحيانًا، وإنَّما معرفة محتوياتها فحسب، أو عدم استِكتابها إلاَّ في داخل المكتب لأجْل شرْط الواقف في النسخ [3] ( http://www.alukah.net/articles/1/10246.aspx#_ftn3) .
أسلوب الآلوسي - رحمه الله - في مراسلاته:
(يُتْبَعُ)