ـ [عبد الرحمن السديس] ــــــــ [12 - Aug-2007, مساء 03:25] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله صلى على نبينا محمد وآله وسلم أما بعد:
فقد بليت كتب الأئمة ببعض المرتزقة الذين تستأجرهم دور النشر لوضع أسمائهم على الكتب باسم المحقق!
أو من نفخه التعالم وتصدر وأرد الشهرة من غير أن يكون له في العلم نصيب يؤهله لذلك، وهم كثر لا كثرهم الله، ولعلهم لا يخفون عليكم وما شوهوه ومسخوه من كتب العلماء.
ومن أطرف وما رأيت رجلا حقق كتاب: «الدقائق المحكمة في شرح المقدمة» للشيخ زكريا الأنصاري رحمه الله.
وهي: المقدمة الجزرية الشهيرة في علم التجويد.
وهذه بعض طرائفه:
في ص103: قال المؤلف: وفي المد المنفصل خلاف: فورش، وابن عامر، وعاصم، وحمزة والكسائي يثبتونه بلا خلاف،
وابن كثير، والسوسي ينفيانه بلا خلاف،
وقالون والدوري يثبتانه وينفيانه ...
علق المحقق: السوسي لم أجد له ترجمة في المصادر والمراجع التي بين يدي!
والدوري لعله محمد بن مخلد بن حفص الدوري الحافظ أبو عبد الله المحدث العطار ...
قلت: وهذا يدل على جهله بأبسط الأمور التي تقحمها، فالمؤلف ذكر أحكام المد المنفصل للقراء السبعة؛ فإذا اتفق الراويان اكتفى بالقارئ كما قال: ابن عامر وعاصم ... ،
وإن اختلفوا رواياتهم عن القارئ ذكر كل واحد منهم بمفرده؛ كما ذكر ورش وقالون والدوري والسوسي ..
والسوسي والدوري هما راويا أبي عمرو البصري، وورش وقالون راويا نافع، ولهم تراجم في كل كتب تراجم القراء، ومعظم كتب التراجم عموما.
وفي ص127: قال المؤلف: {وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَتٌ مِّن رَّبِّهِ} قرأها ابن كثير وشعبة، وحمزة والكسائي ...
فترجم المحقق:بأكثر من أربعة أسطر لشعبة بن الحجاج!
ولم يدر أنه شعبة: أبو بكر بن عياش الراوي عن عاصم، مع أنه في ص70، لما ترجم لعاصم من"غاية النهاية"ذكر الراويين عنه حفص، وشعبة بن عياش!
وفي ص 128: قال المؤلف: قرأها حفص، وحمزة والكسائي ...
فترجم المحقق لحفص فقال: حفص لعله أبو مقاتل حفص بن سلم الفزاري المحدث السمرقندي ...
ولعله الحافظ الضرير أبو عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز ...
ولعله: حفص بن عمر الأردبيلي أبو القاسم ...
قلت: نسي أنه ذكره في ص 70، ومصيبة ألا يعرف حفصا الذي لعله لا يقرأ القرآن إلا بروايته!
ألا فليتق الله هؤلاء وليحذروا غضبه وعقابه، وليتق الله أصحاب دور النشر ولا يجعلوا المال أكبر همهم على حساب العلم والعلماء،
وليحذر طلبة العلم من هؤلاء المرتزقة المتعالمين، وليكن أول ما ينظر إليه بعد اسم الكتاب اسم المحقق، وكيف حقق؟ وعلى ماذا اعتمد؟
لا على الشكل والحرف والقيمة.
ـ [علي أحمد عبد الباقي] ــــــــ [12 - Aug-2007, مساء 06:19] ـ
بارك الله فيكم يا شيخ عبد الرحمن، وحقيقة ما أروع عنوان هذا الموضوع: (( من إبداعات المحققين ) )، وصدقت فما ابتدعه هؤلاء في مجال التحقيق لم يسبقوا إليه، ولم يكن عليه أحد من علماء الأمة وثقات المحققين، وإنما هو أمر ابتدعوه، وعليهم وزره يحملونه على ظهورهم يوم القيامة، وقد ظهر هذا المرض مع الصحوة العلمية للدعوة السلفية وإقبال طلبة العلم على كتب أهل العلم ينهلون منها، فقام عبدة الدينار والدرهم ليتاجروا في همة الشباب ورغبتهم في تعلم العلم النافع وقام مرتزقة الناشرين ومن سموا أنفسهم محققين على نشر الكتب لهدف واحد هو جمع المال، وليتهم إذ فعلوا ذلك أسندوا تلك الأعمال إلى طلبة العلم النابهين المعروفين العارفين بل حرصوا على جمع المال وفقط لم يكن لهم هم إلا هذا حتى ولو كان الثمن هو تحريف كتب أهل العلم، ولم يأبهوا بإرهاق فقراء طلاب العلم وأغنياءهم بشراء نسخ محرفة لا تسمن ولا تغني من جهل، ولم يتحرك لهم ساكن وطالب العلم والعالم ينفق الوقت الطويل في تقويم ماحرفوا من نصوص، ولم يهتز لهم جفن وهم يرون الباحثين وطلاب العلم يبنون الأراء المغلوطة على تحريفاتهم لكلام أهل العلم، فإلى الله المشتكى.
ويحضرني من إبداعات هؤلاء ما صنعه بعض من ادعى تحقق"ميزان الاعتدال"للحافظ الذهبي في ترجمة (محمد بن عون الخراساني) .
جاء في ميزان الاعتدال (4/ 676 - 677/تحقيق علي محمد البجاوي) ما نصه:
(( محمد بن عون(ق) الخراساني عن عكرمة. قال النسائي متروك، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال عباس، عن ابن معين: ليس بشيء. وقال البخاري: روى عن نافع ومحمد بن زيد وعنه يعلى بن عبيد وإسماعيل بن زكريا.
يعلى، عن محمد بن عون، عن نافع، عن ابن عمر قال: استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجر، ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلا، فالتفت فإذا عمر يبكي فقال:"يا عمر ها هنا تسكب العبرات")) .
فجاء هذا المدعي في تحقيقه لكتاب الميزان (6/ 286 - 287) فأسقط عبارة: (( وقال البخاري: منكر الحديث، وقال عباس، عن ابن معين: ليس بشيء. ) )، وطبعًا سبب هذا السقط هو انتقال النظر من كلمة البخاري في الموضع الأول للموضع الثاني.
وهذا وارد، لكن من غير المقبول أن ينقل في حاشية الكتاب في تخريج الحديث المذكور عن الزيلعي قوله: (( ورواه الحاكم في المستدرك وقال حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ولم يتعقبه الذهبي في مختصره، ولكنه في"ميزانه"أعله بمحمد بن عون، ونقل عن البخاري أنه قال: هو منكر الحديث.انتهى ) ).
فنقل عن الزيلعي في الحاشية ما أسقطه هو من متن الكتاب، وأمثال هذا كثير، لا كثر الله منهم.
(يُتْبَعُ)