ـ [نضال مشهود] ــــــــ [12 - May-2008, مساء 10:22] ـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، والفوز والسكينة لمن تبع هداه.
أما بعد، فلا شك أن شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله له من الصدارة في العلوم الإسلامية ما لا ينكره كل ذي عينين. وما قدر الله له من الذكاء المفرط والنظر الثاقب مع قوة الفراسة وجمال الشيم ليظهر لهذا الإمام منزلته بين الأنام. وما يرث المسلمون من هذا الشيخ النبيل من الكتب والرسائل والفتاوى النيرة المباركة لأكبر دليل على مكانته وجلالته. وقد انتفع بتراثه القيم كثير ممن جاء بعده من العلماء والعظماء من جميع الطوائف أكبر انتفاع. . فلا يخفى عند كل منصف صادق، أن الناس بعده في العلم والتحقيق: عيال على هذا البحر العميق. رحمه الله رحمة واسعة، وجعل الفردوس متقلبه ومثواه، وجمعنا وإياه مع الصالحين من عباده والشهداء والأنبياء في جنته ودار كرامته، إنه - جل وعلا - ولي ذلك والقادر عليه.
ومع ذلك، فكم يجد الطالب المبتدئ مثلي في كتابات الشيخ من الصعوبة في الفهم والعسر في الدرك. . وليس السبب أن الشيخ متنطع في الألفاظ متشدق في الأسلوب بشاشق الكلام. كلا، ومعاذ الله أن يصدر ذلك من شيخ ناصح وإمام مخلص مثله! بل السبب أن عقول أهل زمانا أكثرها لا تطيق الأفكار الدقيقة وإن قدمت إليها بأسلوب بسيطة، وأن غالبهم لا يتحملون عبء البحث والنظر الطويل الذي يتحمله أصحاب الهمم العالية السابقين. وقد مضت عصورهم.
فمستعينا بالعلي القدير، أضع هذا المشروع - لنفسي قبل أن يكون لغيري. . راجيا به إيجاد حل هادف لتلك المشكلة الكبيرة، التى طالما اشتكى منها الكثير ويعانى منها من الطلبة الجم الغفير (وأولهم: أخوك الفقير) . نعم، قد يأخذ مثل هذا الأمل الكبير شهورا وأعواما ليس في وسعنا إنفاق نصفها؛ إلا أن المولى القدير لا يعجزه - عز وجل - شيء في الأرض ولا في السماء. . هو الخالق البارئ الذي يقلب الأمور كيف يشاء، وهو المعين الهادى الذي أخرج بحكمته الجلاء ممن الجفاء. فحسبنا الله ونعم الوكيل. . نعم المولى ونعم النصير.
وأبتدئ هذا المشروع المتواضع بكتاب (الموافقة) ، أي (موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول) الذي اشتهر عند الناس بـ (درء تعارض العقل والنقل) . ذلكم الكتاب الذي ليس له في بابه من الموجود نظير ثان. . مؤلف جليل من إمام نبيل عجزت أرحام الأمهات أن تلد مثله عبر مئات السنين:
ـ [نضال مشهود] ــــــــ [12 - May-2008, مساء 10:38] ـ
{لباب الموافقة}
الحمد لله. . نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه؛ ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا مباركا.
? القانون الكلي عند المتكلمين في المسائل العقدية:
قول القائل: " إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية (أو السمع والعقل، أو النقل والعقل، أو الظواهر النقلية والقواطع العقلية أو نحو ذلك من العبارات) تعارُضَ النقيضين؛ فإما أن يجمع بينهما وهو محال، لأنه جمع بين النقيضين؛ وإما أن يردا جميعا وهو في الاستحالة مثل الأول؛ وإما أن يقدم السمع وهو محال، لأن العقل أصل النقل، فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحا في العقل الذي هو أصل النقل، والقدح في أصل الشيء قدح فيه، فكان تقديم النقل قدحا في النقل والعقل جميعا؛ فوجب تقديم العقل، ثم النقل إما أن يتأول وإما أن يفوض. وأما إذا تعارضا تعارُضَ الضدين، فامتنع الجمع بينهما ولم يمتنع ارتفاعهما ".
هذا الكلام قد جعله الرازي وأتباعه قانونا كليا فيما يستدل به من كتب الله تعالى وكلام أنبيائه عليهم السلام وما لا يستدل به. ولهذا ردوا الاستدلال بما جاءت به الأنبياء والمرسلون في صفات الله تعالى وغير ذلك من الأمور التي أنبأوا بها وظن هؤلاء أن العقل يعارضها، وقد يضم بعضهم إلى ذلك أن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين. وهذا القانون الذي وضعوه قد سبقهم إليه طائفة، منهم أبو حامد الغزالي وجعله قانونا في جواب المسائل التي سئل عنها في نصوص أشكلت على السائل كالمسائل التي سأله عنها القاضي أبو بكر بن العربي وإن خالفه القاضي أبو بكر العربي في كثير من تلك الأجوبة. ووضع أبو بكر بن العربي هذا قانون آخر مبنيا على طريقة أبي المعالي ومن قبله كالقاضي أبي بكر الباقلاني.
ومثل هذا القانون الذي وضعه هؤلاء يضع كل فريق لأنفسهم قانونا فيما جاءت به الأنبياء عن الله. فيجعلون الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه هو ما ظنوا أن عقولهم عرفته، ويجعلون ما جاءت به الأنبياء تبعا له؛ فما وافق قانونهم قبلوه، وما خالفه لم يتبعوه. وهذا يشبه ما وضعته النصارى من أمانتهم التي جعلوها عقيدة إيمانهم وردوا نصوص التوراة والإنجيل إليها. لكن تلك الأمانة اعتمدوا فيها على ما فهموه من نصوص الأنبياء أو ما بلغهم عنهم وغلطوا في الفهم أو في تصديق الناقل كسائر الغالطين ممن يحتج بالسمعيات، فإن غلطه إما في الإسناد وإما في المتن. وأما هؤلاء، فوضعوا قوانينهم على ما رأوه بعقولهم، وقد غلطوا في الرأي والعقل. فالنصارى أقرب إلى تعظيم الأنبياء والرسل من هؤلاء. ولكن النصارى يشبههم من ابتدع بدعة بفهمه الفاسد من النصوص أو بتصديقه النقل الكاذب عن الرسول، كالخوارج والوعيدية والمرجئة والإمامية وغيرهم؛ بخلاف بدعة الجهمية والفلاسفة، فإنها مبنية على ما يقرون هم بأنه مخالف للمعروف من كلام الأنبياء، وأولئك يظنون أن ما ابتدعوه هو المعروف من كلام الأنبياء وأنه صحيح عندهم.
(يُتْبَعُ)