ـ [نضال مشهود] ــــــــ [12 - May-2008, مساء 10:48] ـ
* طريقتا المبتدعة في نصوص الأنبياء
ولهؤلاء في نصوص الأنبياء طريقتان: (أ) طريقة التبديل، (ب) وطريقة التضليل والتجهيل. أما أهل التبديل، فهم نوعان: (1) أهل الوهم والتخييل، و (2) أهل التحريف والتأويل.
فأهل الوهم والتخييل هم الذين يقولون:"إن الأنبياء أخبروا عن الله وعن اليوم الآخر وعن الجنة والنار بل وعن الملائكة بأمور غير مطابقة للأمر في نفسه، ولكنهم خاطبوهم بما يتخيلون به ويتوهمون به من أن الله جسم عظيم وأن الأبدان تعاد وأن لهم نعيما محسوسا وعقابا محسوسا، وإن كان ليس كذلك في نفس الأمر، لأن من مصلحة الجمهور أن يخاطبوا بما يتوهمون به ويتخيلون أن الأمر هكذا. وإن كان هذا كذبا، فهو كذب لمصلحة الجمهور، إذ كانت دعوتهم ومصلحتهم لا تمكن إلا بهذه الطريق".
وقد وضع ابن سينا وأمثاله قانونهم علي هذا الأصل، كالقانون الذي ذكره في (رسالته الأضحوية) . يقولون:"الأنبياء قصدوا بهذه الألفاظ ظواهرها، وقصدوا أن يفهم الجمهور منها هذه الظواهر، وإن كانت الظواهر في نفس الأمر كذبا وباطلا ومخالفة للحق. فقصدوا إفهام الجمهور بالكذب والباطل للمصلحة". وقد يقولون"إن النبي أفضل من الفيلسوف، لأنه علم ما علمه الفيلسوف وزيادة، وأمكنه أن يخاطب الجمهور بطريقة يعجز عن مثلها الفيلسوف". ثم من هؤلاء من يقول"ما كان النبي يعلم الحق كما يعلمه نظار الفلاسفة وأمثالهم"، فيفضلون الفيلسوف الكامل أو الولي الكامل علي النبي، كما يفضل الفارابي و مبشر بن فاتك وغيرهما الفيلسوف علي النبي، وكما يفضل ابن عربي الطائي خاتم الأولياء ـ في زعمه ـ علي الأنبياء.
وفي الجملة، فهذا قول المتفلسفة والباطنية؛ كالملاحدة الإسماعيلية، وأصحاب رسائل إخوان الصفاء، والفارابي، وابن سينا، والسهروردي المقتول، وابن رشد الحفيد، وملاحدة الصوفية الخارجين عن طريقة المشايخ المتقدمين من أهل الكتاب والسنة: ابن عربي، وابن سبعين، وابن الطفيل صاحب رسالة حي بن يقظان، وخلق كثير غير هؤلاء.
وأما أهل التحريف والتأويل، فهم الذين يقولون:"إن الأنبياء لم يقصدوا بهذه الأقوال إلا ما هو الحق في نفس الأمر، وليس الحق في نفس الأمر ما هو الظاعر منها، بل الحق ما علمناه بعقولنا". ثم يجتهدون في تأويل هذه الأقوال إلي ما يوافق رأيهم بأنواع التأويلات التي يحتاجون فيها إلي إخراج اللغات عن طريقتها المعروفة، وإلي الاستعانة بغرائب المجازات والاستعارات. وهم في أكثر ما يتأولونه قد يعلم عقلاؤهم علما يقينا أن الأنبياء لم يريدوا بقولهم ما حملوه عليه، وهؤلاء كثيرا ما يجعلون التأويل من باب دفع المعارض. فيقصدون حمل اللفظ علي ما يمكن أن يريده متكلم بلفظه، لا يقصدون طلب مراد المتكلم وتفسير كلامه بما يعرف به مراده وعلي الوجه الذي به يعرف مراده. فصاحبه كاذب علي من تأول كلامه. ولهذا كان أكثرهم لا يجزمون بالتأويل، بل يقولون:"يجوز أن يراد كذا"، وغاية ما معهم إمكان احتمال اللفظ. وأما كون النبي المعين يجوز أن يريد ذلك المعني بذلك اللفظ، فغالبه يكون الأمر فيه بالعكس - ويعلم من سياق الكلام وحال المتكلم امتناع إرادته لذلك المعني بذلك الخطاب المعين.
وفي الجملة، فهذه طريق خلق كثير من المتكلمين وغيرهم، وعليها بني سائر المتكلمين المخالفين لبعض النصوص مذاهبهم، من المعتزلة والكلابية والسالمية والكرامية والشيعة وغيرها.
وأما أهل التضليل والتجهيل، فحقيقة قولهم:"إن الأنبياء جاهلون ضالون، لا يعرفون ما أراد الله بما وصف به نفسه من الآيات والأقوال". ثم منهم من يقول:"المراد بها خلاف مدلولها الظاهر والمفهوم، ولا يعرف أحد من الأنبياء والملائكة والصحابة والعلماء ما أراد الله بها كما لا يعلمون وقت الساعة". ومنهم من يقول:"بل تجري وتحمل علي ظاهرها، ومع هذا فلا يعلم تأويلها إلا الله". فيتناقضون، حيث أثبتوا لها تأويلا يخالف ظاهرها، وقالوا مع هذا: إنها تحمل علي ظاهرها. وهذا ما أنكره ابن عقيل على شيخة القاضي أبي يعلى في كتاب (ذم التأويل) .
(يُتْبَعُ)