فهرس الكتاب

الصفحة 4942 من 8348

ـ [الواحدي] ــــــــ [20 - Oct-2010, صباحًا 09:46] ـ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

يكثر الحديث عن هفوات أفذاذ المحقّقين، وتندر الإشادة بمناقبهم ولطائف إشاراتهم. وهذا المسلك لَصِيقٌ بطبائع النفوس؛ ترى عثرات الجواد، فتظلّ تذكرها تعجُّبًا، وتنسى محاسنه، فتدفنها تنكُّبًا. ولعلّ في شيوع ذلك تسلية للعاجزين بثلب خصال المقتدرين.

والهفوة إذا ندرت، كالخال؛ مِن شأنها أن تزيد الوجه جمالا وفتنة. بيد أنّ بعض العيون تضيق، فلا ترى إلّا الخال في المحيّا الحسَن، ثم لا تتسع إلا لتوسيع دائرة ذلك الخال وتسويد الوجه كلّه!

و"ليس من العدل أن تؤخّر المحقّقَ الفذَّ الهفوةُ المنفردة، ولا تقدّمه الفضائل المجتمعة؛ وأن تحطّه الزّلّةُ العابرة، ولا تنفعه المناقب الباهرة".

وكان من آفات المشتغلين بالعلم أن انتقلت إليهم آفات العوامّ المسكونين بمنهج"التصنيف"و"الإقصاء"، و"الجرح والتجريح"، وما اكتنف هذا النهج من مجازفة ومباينة للعدل؛ فنبتت"حروريّة النقد"بين ظهرانينا، وصارت تُجاهِر بتكفير مرتكب الصغيرة، وتؤكّد خلوده في منفى المصابين بالجذام الفكري.

وهذه الآفة رديفة"التّعالُم". إذ يَظنّ المقبِلُ على العلم بِنِيّةٍ محجوبةٍ بأغباشِ حظوظِ النّفس أنّ الكشف عن عثرات العلماء وتضخيم أثرها سيختصر له الطريق ويوصله إلى المجد في أقصر وقت. والتعالُم آفة نفسيّة، أجنبيّة عن العلم الخالص وأهله المخلصين؛ لكنه قد يخدع بعض الطلبة والمبتدئين، بل قد ينخدع له بعض"الطيّبين"مِن الواصلين.

ولو اشتغل العاقل بمثل هذه الآفات، وظلّ يرصدها وينبّه إليها، لخرج من حضن العلم إلى بيداء المهاترة، ولحقّق للمتعالِمين مبتغاهم. ومبتغاهم أن يقال:"قالوا"، و"أجابوا"، و"رَدُّوا"، و"عقَّبوا"؛ لأنّ ذلك هو مبلغهم من العلم والمجد على السواء: أن يُذكَروا ولو بالسوء ...

والنهج القاصد في هذا الباب هو الاحتفاء بالجيّد الأصيل، وإدانة الرّديء الدّخيل. ثم استخراج لطائف التحقيقات ودقائقها، وإبرازها لتكون مثالًا يُحتذى؛ وفاءًا لأهل الفضل، وتحفيزًا على اقتفاء أثرهم.

لذا رأيت من المفيد جمع نُكَت كبار المحقّقين ولطائف استنباطاتهم وترجيحاتهم، لعلّ ذلك يُسهِم في قَدرهم حَقّ قَدْرهم، ويبيّن معالمَ نهجٍ مِن شأن اقتفائه بلوغ المزيد من العناية والدقّة في نشر تراثنا وفَهْمِه.

ولست أزعم أنني كفيلٌ منفردًا بهذا الجهد؛ بل ما اقترحتُه في مجلسنا هذا إلا ليقيني أنّه لن يتصف بالشمول والتنوّع والفائدة دون مساهمة جميع الأفاضل من المشتغلين بشتّى الفنون، المطّلعين على مختلف المصادر.

ومن مقتضيات الأمانة العلميّة أن أشير إلى أنّ هذه الفكرة راودتني منذ فترة بعيدة، لكنّ مشاركةً للأخ الفاضل"خزانة الأدب"، في موضوع أُقفِل، ذكَر فيها نكتةً لطيفة تتعلّق بتحقيق الشيخ محمود شاكر لأسرار البلاغة، أحيَت الخواطر وجدّدت العزم.

ورجائي أن يتفضّل بنقلها إلى هذا الموضوع، وأن يتفضّل أيضًا بإضافة ما فتح الله عليه به من نظائرها.

ورجائي أيضًا أن يساهم كل الإخوة في مجلسنا، كلٌّ في فنّه وبما اهتدى إليه في هذا الباب. ولْيُثْنِ كُلُّ لبيبٍ بالذي عَلِمَا.

والله ولِيُّ التوفيق.

ـ [الواحدي] ــــــــ [20 - Oct-2010, صباحًا 09:49] ـ

مطيّة غريزيّة؟

جاء في الطبعة اليمنية لمعجم"شمس العلوم"لنشوان الحميري:

"فكتابي هذا يَحْرُسُ النّقْطَ والحركاتِ جميعًا، ويُدْرِك الطالبُ فيه مُلْتَمَسَه سريعًا، بِلا كَدِّ مَطِيَّةٍ غَرِيزِيَّةٍ، ولا إتعابِ خاطرٍ ولا رَوِيَّةٍ، ولا طَلَبِ شيخٍ يَقرأ عليه، ولا مُفِيدٍ يَفتقِر في ذلك إليه." (انظر أيضًا ص 35 من الجزء الأوّل، طبعة دار الفكر المعاصر)

قال الأستاذ أحمد عبد الغفور عطّار في مقدّمة تحقيقه لصحاح الجوهري، تعقيبًا على لفظ"غريزية":

"جاء في طبعة زترستين وطبعة اليمن:"غريزية"وهو خطأ، صوابه:"غُرَيْرِيَّة " نسبة إلى الغُرَيْرِ: فَحْلٍ مِن فُحول العرب. وعندما كتب العلَّامةُ الشيخُ عبدُ القادر المغربيُّ كلمةً عن"شمس العلوم"بمجلّة المجمع العلميّ بدمشق، كنتُ في زيارةِ المجمع، وكانت بيده تجربةُ مقالِه، وأطلعني عليها. ولم يفطن إلى خطأ"غريزية"، فذكرتُ له الصوابَ؛ فَسُرَّ - رحمه الله - وذكر ما رأيته من الصواب، ودفَعَتْه أمانتُه إلى نسبة ذلك إليّ، وعدل مقاله."

وهذه نكتة لطيفة، تنمّ عن علم العطاّر وأمانة المغربي، رحمهما الله تعالى.

ولولا أنّ الصحافة اختلست الأستاذ"أحمد عبد الغفور عطّار"من مجرّة التحقيق إلى فضاء الصحافة، لكان له في دنيا المحقّقين شأن آخر. وإنّ له لشأنًا ...

رحمه الله!

ولا يفوتني في هذا المقام الاعتذارُ إلى كلّ محبّي العلاّمة حمد الجاسر، رحمه الله؛ وإنّني لمنهم.

ـ [الباحث النحوي] ــــــــ [20 - Oct-2010, مساء 12:39] ـ

جزاك الله خيرا، وأرجو ألا يَتقيَّد المتفاعلون في هذا الموضوع بالمثال الذي ذكرتَه وهو مثال جزئي على فائدته الكبيرة، لكن أيضا من الحسن ذكر الفرائد الكلية، ومن ذلك مثلا: ما صنعه الشيخ أحمد شاكر في كتابه الرسالة من محاولة لتخريج كل ما وجده في مخطوطة الربيع بن سليمان مما ظاهره مخالفة قواعد العربية، وما لم يجد له مساغا ذكره كذلك وتوقف عن الحكم فيه؛ انظر إليه وهو يقول عن قول الشافعي في المسألة (762) : «وَبِهَذِهِ الأَحَادِيثِ نَأْخُذُ، وقالَ بِمِثْلِ معناها الأكابِرُ مِن أصحابِ رسولِ الله، وأكثَرُ المُفْتِيِّينَ بالبُلْدَانِ» ، قال الشيخُ أحمد شاكر: «هكذا في الأَصْل؛ بإثباتِ الياءَيْنِ واضحتَيْنِ، وعلى الأُولَى منهُما شَدَّةٌ، وقد جَهِدتُّ أن أَجِدَ له وجهًا مِنَ العربِيَّةِ فلَمْ أَجِد، فأَثْبَتُّ ما فيه، وهو عِنْدِي حُجَّةٌ، لعلَّ غيري يَعْلَمُ مِنْ تأويلِهِ ما لم أَعْلَم» !

ومما يستحسن ذكره لحسنه: ما قِيمَ به في كتاب العلل بتحقيق فريق من الباحثين بإشراف الدكتور سعد الحميد حفظه الله من إنماء لفكرة الشيخ شاكر في الرسالة وإحياء لها، فقاموا كذلك باحترام النص والمخطوط وعبروا في الهامش بما شاءوا اتفقنا معهم أو اختلفنا!

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت