أفهامَهم على بعض المشقّة، وللَّهِ عزّ وجلّ أن يمتحِنَ عبادَه بما شاء من التخفيف والتّثقيل، ويبلُوَ أخبارَهم كيف أحَبَّ من المحبوب والمكروه، ولكلِّ زمانٍ ضرب من المصلحة ونوعٌ من المِحْنة، وشكلٌ من العبادة، ومن الدَّليل على أنّ اللّه تعالى حَلّ تلك العقدة، وأطلق ذلك التعقيد والحُبْسة، قولُه:"رَبِّ اشْرَحْ لي صَدْرِي، وَيَسِّر لي أمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي، وَاجْعَل لي وَزِيرًا منْ أهْلِي هَارُونَ أَخي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ في أَمْرِي"طه: 52 - 23 إلى قوله:"قَدْ أُوتِيتَ سُؤلَكَ يَا مُوسَى"طه: 63، فلم تقع الاستجابة على شيءٍ من دعائه دون شيء، لعُموم الخبر، وسنقُول في شأنِ موسى عليه السلام ومسألتِه، في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه، وذكر اللّهُ تبارك وتعالى جميلَ بلائه في تعليم البيان، وعظيمَ نِعمته في تقويم اللسان، فقال:"الرَّحْمنُ، عَلَّمَ القُرْآنَ، خَلَقَ الإنْسَانَ عَلَّمَهُ البَيَانَ"الرحمن: 1 - 4، وقال تعالى:"هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ"آل عمران:831، ومدح القرآنَ بالبيان والإفصاح، وبِحسن التَّفصيل والإيضاح، وبجودة الإفهام وحكمة الإبلاغ، وسماه فرقانًا كما سمّاه قرآنًا، وقال:"عَرَبِيّ مُبِين"النحل:301، وقال:"وَكَذلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًا"الرعد: 73، وقال:"وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تبْيانًا لكُلِّ شَيْءٍ"النحل: 98 وقال:"وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا"الإسراء: 21، وذكر اللّه عزّ وجلّ لنبيّه عليه السلام حالَ قريش في بلاغةِ المنطق، ورجاحة الأحلامِ، وصحّة العقول، وذكر العربَ وما فيها من الدَّهاء والنَّكْراء والمَكْر، ومن بلاغة الألسنة، واللّدَدِ عند الخُصومة، فقال تعالى:"فَإذَا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ"الأحزاب:91، وقال:"وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا"مريم: 79، وقال:"وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِِهِِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ"البقرة:402، وقال:"ءَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لكَ إلاَّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ"الزخرف: 85، ثم ذكَر خلابةَ ألسنتهم، واستمالتَهم الأسماعَ بِحُسنِ منطقهم، فقال:"وَإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقوْلهِمْ"المنافقون: 4، ثمَّ قال:"وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الْحياةِ الدُّنْيَا"البقرة: 402 مع قوله:"وَإذَا تَوَلّى سَعَى في الأرْض لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ"البقرة: 502انتهى الكلام وقد ذكرته بطوله لفائدته
وهنا أذكر قصة ذكرها المنفلوطي في كتابه القيم النظرات
قال رحمه الله
رأيت في إحدى روايات شكسبير , وهي الرواية المعروفة برواية يوليوس قيصر
موقفا لبطلين من ابطال الفصاحة , وفارسين من فرسان البيان. وقد وقف كل منهما من صاحبه موقف الاعب من الاعب , ووقف الشعب الروماني بينهما موقف الكرة من أقدام الاعبين ... تعلو بها حينا وتسفل أحيانا فلا تثبت صاعدة ولا تستقر هابطة , فعلمت أن العامة عامة في كل عصر , والشعب شعب في كل مصرالخ كلامه رمحمه الله
والقصة جميلة جدا فقد حكى كلام كل من الفارسين وما اعربا به للشعب الروماني فلتراجع
جزاكم الله خيرا احي الكريم واشهد الله اني احبك في الله
ـ [أمجد الفلسطيني] ــــــــ [25 - Feb-2008, صباحًا 09:25] ـ
جزاك الله أخي الحبيب
أحبك الله الذي أحببتني فيه
ـ [أبو محمد البُصري] ــــــــ [27 - Feb-2008, صباحًا 12:50] ـ
يا أمجد
إياك أن تذهب فلا تقرأ هذا الكتاب الماتع , أما الكتاب ففيه حكاية عن ما شجر في مصر وما حدث من أحداث سياسية , إن لم تجد فيها فائدة تُقيدها وتدونها فلا أقل من معرفتك بأحداثٍ أثرت في مسيرة نهضة العرب الحديثة!
ثم إن الرافعي في كتابهِ هذا إنما يكتب للجرائد والصحف العامة التي يقرأها طغام الناس فلا تنتظرن تحقيقًا لغويًا , أو نادرة أدبية , وإنما سترى ردوده على كثير من أدباء عصره ..
ولا يخلو الكتاب ذي المجلدات الثلاث من فوائد عميقة , وعليك بمقالته عن كتاب كليلة ودمنة الذي لا يملك إلا نسخة واحدة ففيه لطائف , وقد حاول أن يُجاريه الطنطاوي رحمه الله فلم يستطيع!
هل قرأت كتابه [تاريخ آدب العرب] ؟
(يُتْبَعُ)