إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد:
فقد أرسل الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم إلينا فانقسم الناس تجاه دعوته إلى ثلاثة أقسام: مؤمن به، وكافر معاند، ومنافق آمن بلسانه وكفر بقلبه، فهو يتظاهر بالإسلام لكن أقواله وأعماله تضاد الإسلام وأحكامه.
وهذا الصنف الثالث هو العدو الحقيقي الذي حذرنا الله منه قال
تعالى: سورة المنافقون الآية 4هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ، فحصر العداوة فيهم لبيان أولويتهم في هذه العداوة، ولهذا وجب على المسلمين جميعا أن يجعلوهم أول اهتماماتهم، وأن يعلموا أن من أعظم الواجبات عليهم مجاهدتهم؛ لأنهم أخطر مصيبة حلت بالمسلمين قديما وحديثا، والمتأمل للتاريخ يجد للمنافقين دورا خطيرا في كل عصر من عصوره خاصة في أزمنة الحروب؛ فخياناتهم وتعاونهم مع أعداء المسلمين المحاربين يشهد لها التاريخ، وسنة الله ماضية في استمرار الحروب بين أهل الحق والباطل، قال تعالى: سورة البقرة الآية 217وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا، فأعداء الله لا يألون جهدا في حرب الإسلام وأهله، وأمة الإسلام وبفضل الله لم تزل وستستمر بحول الله في مدافعة ما يكاد لها مما يخططه أعداؤها ومن يوالونهم من المنافقين، لكن طبيعة عمل هؤلاء المنافقين وهو الخيانة يستلزم التخفي والتستر فهم يفسدون سرا ويظهرون الإسلام والإصلاح، ولهم براعة في الكلام إن يقولوا تسمع لقولهم، لهذا كان من الواجب التحذير منهم وكشف أستارهم، وبيان صفاتهم حتى يعرفوا بها، وبخاصة تلك الصفات التي تعرف بها عقائدهم ونفاقهم أثناء الحرب، ولطول الموضوع اكتفيت بما جاء من ذلك في القرآن الكريم لأهميته وتأكد الاعتناء به في كل زمان، وبخاصة في هذا الزمان لأمور منها:
1 -ما تمر به الأمة اليوم من أخطار وحروب، وما يعصف بها من أحداث وفتن كقطع الليل، يعمي الإنسان فيها أن يسمع ويرى الحق إذا لم يكن معه علم شرعي يخرج منه بفقه ما ينبغي عليه عمله، ويأخذ العبر والعظات من التاريخ، فإذا قامت الحرب كان المسلم المجاهد قد تهيأ بعلم شرعي وعسكري، يعرف به هؤلاء المنافقين ويحذرهم.
2 -علو أهل الباطل في كثير من المجالات السياسية، والاقتصادية، والعسكرية مما يسهل دخول كثير من المنافقين ضمن جند المسلمين.
3 -التقدم التقني الهائل والسريع الذي يساعد الخائن ويسهل أمره والأعين قلما تراقبه.
4 -سذاجة بعض المؤمنين، وسرعة تقييمهم للأشخاص بمجرد ما يرونه من ظاهرهم.
ولهذا رأيت أن الكتابة في هذا الموضوع من أهم المهمات، أسأل الله أن يجعلني ممن تفقه في دينه لينذر قومه لعلهم يحذرون، وحسب علمي فإني لم أجد أحدا كتب في هذا الموضوع بهذه الصورة وأفرده مع شدة الحاجة إليه.
خطة البحث:
أتبعت هذه المقدمة بتقسيم البحث إلى فصلين وخاتمة.
الفصل الأول: تعريف النفاق، وأنواعه، وخطورته وأسبابه، وأشهر صفات المنافقين إجمالا، وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: تعريف النفاق لغة واصطلاحا.
المبحث الثاني: أنواعه.
المبحث الثالث: خطورته.
المبحث الرابع: أسبابه.
المبحث الخامس: أشهر صفات المنافقين إجمالا.
الفصل الثاني: صفات المنافقين أثناء الحرب، وفيه سبعة مباحث هي:
المبحث الأول: الصفة الأولى الانسحاب من المعركة والرجوع.
المبحث الثاني: الصفة الثانية، ظهور علامات الفرح عليهم بعد تخلفهم عن الحرب.
المبحث الثالث: الصفة الثالثة، عدم المشاركة في القتال مع خروجهم مع الجيش، أو القتال قليلا.
المبحث الرابع: الصفة الرابعة، السعي بالفتنة بين جنود المسلمين لا يألونهم خبالا.
المبحث الخامس: الصفة الخامسة، تجريح القيادة، ونسبة ما يصيب المسلمين من سيئة لسوء تصرفها.
المبحث السادس: الصفة السادسة، الخوف والجبن.
المبحث السابع: الصفة السابعة، موالاة الكفار.
الخاتمة: وفيها أهم ما توصلت إليه من نتائج.
(يُتْبَعُ)