بِالْأَبْدَانِ ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ يَتَفَرَّقَا بِالْبَدَنِ ، وَلَوْ كَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَى التَّفَرُّقِ بِالْقَوْلِ ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْوَفَاءُ بِالْعُقُودِ وَهِيَ الْمَوَاعِيدُ وَاجِبًا وَتَرْكُهُ حَرَامًا لَزِمَ الْعَمَلُ بِمَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْحَرَامِ وَذَلِكَ بِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ عَلَى الْوَعْدِ ، فَلَزِمَ وَلِيَّ الْأَمْرِ أَنْ يُجْبِرَهُمْ عَلَى التَّسْلِيمِ يُوفِي هَذَا مُثَمَّنًا وَهَذَا ثَمَنًا .
وَكَذَا قَوْلُهُ: { لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ } وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ سَبَبِ النُّزُولِ ، وَهُوَ هُنَا أَنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ عَلِمْنَا أَحَبَّ الْأَعْمَالِ لَبَذَلْنَا فِيهِ أَنْفُسَنَا وَأَمْوَالَنَا فَنَزَلَ: { إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا } فَوَلَّوْا يَوْمَ أُحُدٍ ، فَنَزَلَ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ } ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ لَكِنْ لَا يُعْمَلُ بِهِ فِيمَا تَعُمُّ الْبَلْوَى ؛ لِأَنَّهُ خَبَرُ الْوَاحِدِ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ الْجَلِيِّ فِي إلْحَاقِ مَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ بِمَا بَعْدَهُ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: التَّفَرُّقُ بِالْأَبْدَانِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ تَحْسِينًا لِلْمُعَامَلَةِ مَعَ الْمُسْلِمِ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مَحْمُولٌ عَلَى الِاحْتِيَاطِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ ، وَقِيلَ: الْمُتَبَايِعَانِ الْمُتَسَاوِمَانِ ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ مَجَازٌ وَالْحَقِيقَةُ وَمَا يَقْرَبُ مِنْهَا أَوْلَى ، وَلَوْ كَانَ اسْتِعْمَالُ الْبَائِعِ بِمَعْنَى الْمُسَاوِمِ وَارِدًا فِي اللُّغَةِ ، وَإِنْ قُلْتَ: إذَا حَمَلْتُمْ الِافْتِرَاقَ عَلَى الِافْتِرَاقِ بِالصِّفَةِ فَتَسْمِيَتُهُمَا بَائِعَيْنِ مَجَازٌ ، قُلْتُ: نَعَمْ مَجَازٌ ، بِمَعْنَى مُرِيدَيْ الْبَيْعِ أَوْ مُشْرِفَيْنِ عَلَيْهِ ، أَوْ مُتَّفِقَيْنِ عَلَيْهِ ، وَمِنْ مَجَازِ الْأَوَّلِ كَمَا أَنَّهَا مَجَازٌ بَعْدَ الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ .