الْأَوَّلُ: الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ جَنَاحَانِ بِهِمَا يَطِيرُ الْمُقَرَّبُونَ إلَى كُلِّ مَقَامٍ مَحْمُودٍ ، وَمَطِيَّتَانِ بِهِمَا يَقْطَعُ مِنْ طُرُقِ الْآخِرَةِ كُلَّ عَقَبَةٍ كَئُودٍ ، كَمَا أَنَّ الْخَوْفَ سَوْطٌ زَاجِرٌ لِعَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ الْمَعْصِيَةِ ، وَالرَّجَاءَ دَاعٍ إلَى الطَّاعَةِ ، وَالرَّجَاءُ مِنْ مَقَامَاتِ السَّالِكِينَ وَإِنَّمَا يُسَمَّى مَقَامًا مَا ثَبَتَ وَدَامَ ، وَمَا كَانَ عَارِضًا سَرِيعَ الزَّوَالِ يُسَمَّى حَالًا ، وَالْمُنْتَظَرُ إذَا كَانَ مَحْبُوبًا يَحْصُلُ مِنْ انْتِظَارِهِ لَذَّةٌ لِلْقَلْبِ ، فَالرَّجَاءُ هُوَ ارْتِيَاحُ الْقَلْبِ لِانْتِظَارِهِ مَا هُوَ مَحْبُوبٌ عِنْدَهُ ، فَإِنْ كَانَ الِانْتِظَارُ لِحُصُولِ أَسْبَابِهِ الْكَثِيرَةِ فَرَجَاءٌ صَادِقٌ ، وَإِلَّا فَكَاذِبٌ ، وَإِلَّا الْغُرُورُ أَحَقُّ بِهِ ، وَلَا يُطْلَقُ اسْمُ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ إلَّا فِيمَا يُتَرَدَّدُ فِيهِ ، وَالْأَسْبَابُ: الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ ، وَالِاحْتِرَازُ عَمَّا يُفْسِدُهَا ، وَالتَّوْبَةُ عَمَّا صَدَرَ ، وَمَنْ كَرِهَ الْمَعْصِيَةَ وَتَسُوءُهُ وَالْحَسَنَةَ تَسُرُّهُ وَيَذُمُّ بِنَفْسِهِ وَيَشْتَهِي التَّوْبَةَ فَحَقِيقٌ بِرَجَاءِ التَّوْفِيقِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى التَّوْبَةِ بَلْ هُوَ أَصْلُهَا وَطَرَفٌ مِنْهَا ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيمَنْ تَرَكَ الْأَسْبَابَ: { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ } الْآيَةَ ، وَقَالَ: { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ } الْآيَةَ ، وَقَالَ عَنْ الْكَافِرِ: { وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلَى رَبِّي } الْآيَةَ ، فَمَنْ انْهَمَكَ فِي الْمَعَاصِي وَلَا يَعْزِمُ عَلَى التَّوْبَةِ فَرَجَاؤُهُ كَرَجَاءِ مَنْ لَمْ يَزْرَعْ ، أَوْ زَرَعَ فِي سَبْخَةٍ أَنْ يَحْصُدَ أَوْ كَرَجَاءِ مَنْ زَرَعَ وَلَمْ يَتَعَهَّدْهُ بِسَقْيٍ وَلَا تَنْقِيَةٍ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْأَحْمَقُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ } وَإِنَّمَا الرَّجَاءُ الْحَقِيقُ بَعْدَ تَأَكُّدِ الْأَسْبَابِ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ