تَنَبُّهَاتٌ الْأَوَّلُ: فِي التَّسَلِّي عَنْ نَوَائِبِ الدَّهْرِ بِاسْتِشْعَارِ ثَوَابِهَا أَوْ بِاسْتِشْعَارِ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ الْمَصَائِبِ ، وَأَنَّ الْمُصَابَ جَالِبٌ لَهَا بِذُنُوبِهِ ، وَأَنَّهَا تَنْقَطِعُ وَغَيْرُ ذَلِكَ ، قِيلَ: الْهُمُومُ الَّتِي تَعْرِضُ لِلْقُلُوبِ كَفَّارَاتُ الذُّنُوبِ ، وَسَمِعَ حَكِيمٌ رَجُلًا يَقُولُ لِآخَرَ: لَا أَرَاك اللَّهُ مَكْرُوهًا ، فَقَالَ: كَأَنَّك دَعَوْت عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ فَإِنَّ صَاحِبَ الدُّنْيَا لَا بُدَّ أَنْ يَرَى مَكْرُوهًا ، وَتَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ كَفَى عَنْك غَيْرَ مَا أَصَابَك وَأَكْبَرَ مِنْهُ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: وَيْلٌ خَيْرٌ مِنْ وَيْلَيْنِ ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الدُّنْيَا كُلُّهَا غُمُومٌ ، وَمَا كَانَ مِنْ سُرُورٍ فَهُوَ رِبْحٌ .
وَقَالَ الْعُتْبِيُّ: إذَا تَنَاهَى الْغَمُّ انْقَطَعَ الدَّمْعُ بِدَلِيلِ أَنَّك لَا تَرَى مَضْرُوبًا بِالسِّيَاطِ وَلَا مُقَدَّمًا لِضَرْبِ الْعُنُقِ يَبْكِي وَأَخْبَرَنِي بَعْضٌ: أَنَّهُ رَأَى فِي تُونُسَ مُقَدَّمًا لِضَرْبِ الْعُنُقِ يَبْكِي ، قُلْت: هَذَا فِيهِ بَقِيَّةُ طَمَعٍ فِي الْحَيَاةِ وَانْتِصَارٌ مَا أَوْ بَلَغَ بِهِ حُبُّ مَا يَخْلُفُهُ مِنْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ غَيْرِهِمَا ، أَنَّهُ ذَهِلَ عَنْ نَفْسِهِ فَاشْتَغَلَ بِهِ كَأَنَّهُ نَفْسُهُ ، وَقَالَ وَهْبٌ: إذَا سُلِكَ بِنَا طَرِيقُ الْبَلَاءِ سُلِكَ بِنَا طَرِيقُ الْأَنْبِيَاءِ ، وَقَالَ مُطَرِّفٌ: مَا نَزَلَ بِي مَكْرُوهٌ قَطُّ فَاسْتَعْظَمْتُهُ إلَّا ذَكَرْتُ ذُنُوبِي فَاسْتَصْغَرْتُهُ ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ لُحُومَهُمْ كَانَتْ تُقْرَضُ بِالْمَقَارِيضِ لِمَا يَرَوْنَ مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَهْلِ الْبَلَاءِ } .
وَرَوَى أَبُو عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { إذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا ابْتَلَاهُ وَإِذَا أَحَبَّهُ الْحُبَّ الْبَالِغَ اقْتَنَاهُ ، قَالُوا: وَمَا اقْتِنَاؤُهُ ؟ قَالَ: لَا يَتْرُكُ لَهُ مَالًا وَلَا وَلَدًا } وَمَرَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِرَجُلٍ يَعْرِفُهُ مُطِيعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ مَزَّقَتْ السِّبَاعُ