لَكِنَّهُ جَرْيٌ عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ أَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يَشْتَرِي لِلتَّجْرِ مَا رَخُصَ لِيَرْبَحَ فِيهِ فَلَوْ اشْتَرَاهُ غَالِيًا أَيْضًا كَانَ مُحْتَكِرًا ( فِي بَلَدِهِ ) أَيْ فِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ سَوَاءٌ وَطَنُهُ أَمْ لَا ، كَمَا لَا يَجُوزُ لِلْمُقِيمِ الِاحْتِكَارُ فِي بَلَدِهِ لَا يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ الِاحْتِكَارُ فِي بَلَدٍ هُوَ فِيهِ ، فَالْمُرَادُ بِالْمُقِيمِ فِي قَوْلِهِ: شِرَاءٌ مُقِيمٌ الْمَاكِثُ فِي بَلَدٍ ، سَوَاءٌ اسْتَوْطَنَهُ أَمْ لَا ، وَإِنَّمَا الْجَائِزُ أَنْ يَشْتَرِيَ فَيَخْرُجَ بِهِ الْأَمْيَالَ كَمَا عَلِمْتَ ( بِقَصْدِ ادِّخَارٍ لِغَلَاءٍ فِيهِ ) فَلَوْ اشْتَرَاهُ لِيَنْتَظِرَ بِهِ الْغَلَاءَ يَوْمًا أَوْ نِصْفَ يَوْمٍ أَوْ ثُلُثَهُ أَوْ سَاعَةً أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ لَكَانَ مُحْتَكِرًا وَلَا حَدَّ لِذَلِكَ وَقِيلَ: يُحَدُّ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَيَجُوزُ ادِّخَارُهُ لِيَوْمَيْنِ أَوْ يَوْمٍ ، وَقِيلَ: يُحَدُّ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا فَيَجُوزُ ادِّخَارُهُ لِمَا دُونَهَا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { مَنْ احْتَكَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَعَامَهُمْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } "الْحَدِيثَ وَالْمَانِعُ يَقُولُ: لَيْسَتْ الْأَرْبَعُونَ حَدًّا ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ مِنْ أَنَّ الْغَلَاءَ يَتَبَيَّنُ لَأَرْبَعِينَ فَصَاعِدًا ، أَوْ تَغْلِيظٌ عَلَى مَنْ حَبَسَهُ أَرْبَعِينَ وَلَوْ كَانَ حَابِسُهُ دُونَهَا هَالِكًا أَيْضًا ، وَإِنْ اشْتَرَاهُ لِيَبِيعَهُ فِي حِينِهِ بِلَا انْتِظَارٍ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَبِعْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْطَ لَهُ مَا يَرْضَى ، أَوْ لِمَانِعٍ فَلَا يَبِيعُهُ بَعْدُ بِأَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَى ، وَقِيلَ: لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ بِأَكْثَرَ إذَا مَنَعَهُ مِنْ بَيْعِهِ فِي حِينِهِ غَيْرُ قِلَّةِ الثَّمَنِ ، وَإِنْ كَانُوا يَشْتَرُونَهُ لِغَيْرِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ جَازَ لِمَنْ يَشْتَرِيهِ وَيَدَّخِرُهُ لِيَبِيعَهُ لِلْأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ أَوْ غَيْرِهِ كَإِبِلٍ تُشْتَرَى لِلزَّجْرِ أَوْ لِلْحَمْلِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لَا لِلذَّبْحِ فَيَجُوزُ شِرَاؤُهَا وَانْتِظَارُ الْغَلَاءِ وَلَوْ لِلذَّبْحِ وَكَثَمَرٍ يُشْتَرَى لِلْغَسْلِ بِهِ فَيَجُوزُ شِرَاؤُهُ وَانْتِظَارُ"