لَهُمَا مَعَ وُجُودِهَا ، فَلَوْ قَالَ لَهُ: إنِّي لَا أُحِبُّ مَوْتَهُمَا وَإِنِّي كَرِهْتُهُ جِدًّا كَمَا كَرِهَاهُ سَوَاءٌ ، لَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ أَيْضًا إنَّك لَمْ تَفِ لَهُمَا لِأَنَّهُمَا السَّبَبُ الظَّاهِرُ فِي وُجُودِكَ ، وَلِأَنَّ الْأُمَّ حَمَلَتْكَ فِي بَطْنِهَا وَهَاتَانِ الْخَصْلَتَانِ لَا تُمْكِنَانِ مِنْكَ لَهُمَا مَعَ أَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ حُبُّ الْوَلَدِ لِوَالِدَيْهِ كَحُبِّهِمَا لَهُ سَوَاءٌ أَوْ أَكْثَرُ ، وَإِذَا وُجِدَ فَقَلِيلٌ ، وَالْغَالِبُ الْعَكْسُ ، وَيَنُصُّ عَلَى مَا قُلْتُ حَدِيثُ: { لَوْ فَعَلَ مَا فَعَلَ مَا أَدَّى طَلْقَةً وَاحِدَةً } أَيْ مِنْ طَلَقَاتِ الْوِلَادَةِ ، وَهَذَا يَعُمُّ أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُمَا لَمْ يُؤَدِّ حَقَّهُمَا كَامِلًا ، وَأَمَّا حَدِيثُ: { لَا يَجْزِي وَالِدَيْهِ إلَّا أَنْ يَجِدَهُمَا مَمْلُوكَيْنِ } فَمَعْنَاهُ لَا يَجْزِيهِمَا جَزَاءً عَظِيمًا إلَّا بِالْإِعْتَاقِ وَلَيْسَ جَزَاءً وَافِيًا بِحَقِّهِمَا لِلِاتِّفَاقِ عَلَى وُجُوبِ حُقُوقِهِمَا بِلَا نَقْصِ شَيْءٍ مِنْهَا بَعْدَ الْإِعْتَاقِ .
وَلَا يَجِدُ عَاقُّهُمَا رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَهِيَ تُوجَدُ فِي مَسِيرَةِ خَمْسِ مِائَةِ عَامٍ ، { قَالَ أَنَسٌ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ أَحَبُّ إلَيْكَ أَمْ عِبَادَةُ أَلْفِ سَنَةٍ ؟ فَقَالَ: يَا أَنَسُ قَدْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ، بِرُّهُمَا أَحَبُّ مِنْ عِبَادَةِ أَلْفَيْ سَنَةٍ } وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَكْفِي مَعَ بِرِّهِمَا قَلِيلُ الْعَمَلِ ، وَأَنَّ خَيْرَ الْأَوْلَادِ مَنْ لَمْ يَدْعُهُ الْبِرُّ إلَى الْإِفْرَاطِ وَلَا التَّقْصِيرُ إلَى الْعُقُوقِ ، وَإِنَّمَا يُجَانِبُ الْإِفْرَاطَ لِئَلَّا يَمَلَّ بِهِمَا فَيَنْقَطِعَ أَوْ يَتَغَيَّرَانِ عَلَيْهِ إذَا نَقَصَ بَعْضًا مِنْ ذَلِكَ ، وَتَجِبُ مُوَاسَاتُهُمَا بِالْمَالِ إنْ احْتَاجَا ، وَسَخَطُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَغَضَبُهُ وَإِعْدَادُهُ الْعِقَابَ لِأَهْلِهِ فَهُمَا صِفَتَا فِعْلٍ أَوْ عَلِمَهُ بِعِقَابٍ يَسْتَحِقُّهُ أَهْلُهُ وَهُوَ النَّارُ فَهُمَا صِفَةُ ذَاتٍ ، وَرِضَاهُ إثَابَتُهُ أَوْ إعْدَادُهُ الثَّوَابَ لِأَهْلِهِ فَهُوَ صِفَةُ فِعْلٍ ، وَفِي الْحَدِيثِ: