الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ فِي رَمَضَانَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } ، قَالُوا: أَوَّلُ مَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِنُبُوَّتِهِ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ أُنْزِلَ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا بِمَرَّةٍ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَقِيلَ: بُعِثَ فِي رَجَبٍ وَفِي السُّؤَالَاتِ": فَإِنْ قَالَ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَعَبِّدًا بِشَرِيعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ ؟ قَالَ بَعْضٌ: كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُتَعَبِّدًا بِذَلِكَ مَا لَمْ يُنْسَخْ ."
وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا بِشَيْءٍ مِنْ الشَّرَائِعِ إلَّا شَرِيعَةَ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { ثُمَّ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا } وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَيْسَ بِشَرْعٍ لَنَا ، وَقَالَ بَعْضٌ: هُوَ شَرْعٌ لَنَا إلَّا مَا ثَبَتَ نَسْخُهُ ، وَقِيلَ: شَرْعُ إبْرَاهِيمَ وَحْدَهُ لَا غَيْرَهُ ، وَرَوَى الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو عَنْ الشَّيْخِ يخلفتن بْنِ أَيُّوبَ: أَنْ لَيْسَ شَرْعُ إبْرَاهِيمَ يَلْزَمُنَا إلَّا فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَحْدَهَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: شَرِيعَةُ مُوسَى شَرْعٌ لَنَا إلَّا مَا نَسَخَتْ مِنْهُ شَرِيعَةُ عِيسَى ، وَقِيلَ: شَرِيعَةُ مُوسَى شَرْعٌ لَنَا دُونَ غَيْرِهَا .
وَقَالَ آخَرُونَ: تَعَبُّدُنَا بِشَرِيعَةِ نُوحٍ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: { وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ } ، أَيْ مِنْ دِينِهِ ، أَيْ دِينِ نُوحٍ ، وَقِيلَ: مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَمْ نَتَعَبَّدْ بِشَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الشَّرَائِعِ إلَّا مَا لَا يَجُوزُ نَسْخُهُ كَالتَّوْحِيدِ وَمَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ وَإِلَيْهِ يَتَوَجَّهُ قَوْله تَعَالَى: { فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهْ } وَبِهَذَا الْقَوْلِ يَقُولُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ، وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنْ لَيْسَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَا فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالسُّنَنِ الْمَاضِيَةِ ، وَكُلُّ مَا كَانَ شَرْعًا لَنَا فَهُوَ شَرْعٌ لِلرَّسُولِ