الْخَامِسُ: جَمِيعُ مَا يَلْقَى الْعَبْدُ إمَّا يُوَافِقُ هَوَاهُ أَوْ يَكْرَهُهُ ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى الصَّبْرِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَالْأَوَّلُ كَالصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ وَالْمَالِ وَالْجَاهِ وَكَثْرَةِ الْعَشِيرَةِ وَالْأَتْبَاعِ وَالْأَنْصَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَالصَّبْرُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ لَا يَعْصَى بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ ، وَأَنْ لَا يَرْكَنَ إلَيْهَا وَيَنْهَمِكَ فِي مَلَاذِّهَا الْمُبَاحَةِ { كَلًّا إنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى } ، قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: الْبَلَاءُ يَصْبِرُ عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُ وَالْعَوَافِي لَا يَصْبِرُ عَلَيْهَا إلَّا الصِّدِّيقُ ، قَالَ سَهْلٌ: الصَّبْرُ عَلَى الْعَافِيَةِ أَشَدُّ مِنْ الصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ ، وَلَمَّا فُتِحَتْ أَمْوَالُ الدُّنْيَا عَلَى الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالُوا: اُبْتُلِينَا بِفِتْنَةِ الضَّرَّاءِ فَصَبَرْنَا ، وَابْتُلِينَا بِفِتْنَةِ السَّرَّاءِ فَلَمْ نَصْبِرْ وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ } الْآيَةَ .
وَقَالَ تَعَالَى { إنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ } الْآيَةَ وَالثَّانِي: إمَّا أَنْ يَرْتَبِطَ بِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ كَالطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي أَوْ لَا يَرْتَبِطُ بِاخْتِيَارِهِ كَالْمَصَائِبِ ، أَوْ لَا يَرْتَبِطُ بِهِ لَكِنْ لَهُ اخْتِيَارٌ فِي إزَالَتِهِ كَالتَّشَفِّي مِنْ الْمُؤْذِي بِالِانْتِقَامِ فَيَقْهَرُ نَفْسَهُ عَنْ الرُّبُوبِيَّةِ فَإِنَّ النَّفْسَ تُحِبُّهَا ، فَمَا مِنْ نَفْسٍ إلَّا مُضْمِرَةٌ مَا أَظْهَرَهُ فِرْعَوْنُ: { أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى } وَتَدَّعِي ذَلِكَ عَلَى مَنْ دُونِهَا كَعَبْدِهَا فَيَدْخُلُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَيَتْرُكُ مَعَاصِيَهُ ، ثُمَّ لَا يَغْفُلُ فِي دَاخِلِ الْعَمَلِ عَنْ الْكَسَلِ وَالتَّقْصِيرِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا } وَلَعَلَّهُ أَرَادَ صَبَرُوا عَلَى تَمَامِهِ ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ يَصْبِرُ عَمَّا يُبْطِلُهُ كَالرِّئَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالْعُجْبِ ، وَعَنْ إفْشَائِهِ وَتَحْتَمِلُهُ الْآيَةُ ، فَإِذَا آذَاهُ أَحَدٌ فَتَرْكُ الِانْتِقَامِ وَاجِبٌ تَارَةً وَمَنْدُوبٌ إلَيْهِ