وَقَالَ تَعَالَى: { إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } ، فَمَا مِنْ قُرْبَةٍ إلَّا وَأَجْرُهَا بِتَقْدِيرٍ وَحِسَابٍ إلَّا الصَّبْرَ ، وَلِأَجْلِ كَوْنِ الصَّوْمِ مِنْ الصَّبْرِ فَإِنَّهُ نِصْفُ الصَّبْرِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ الْجَنَّةَ } ، وَأَضَافَهُ إلَى نَفْسِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَوَعَدَ الصَّابِرِينَ بِأَنَّهُ مَعَهُمْ فَقَالَ: { وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } ، وَعَلَّقَ النُّصْرَةَ عَلَى الصَّبْرِ فَقَالَ تَعَالَى: { بَلَى إنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ } .
وَقَالَ تَعَالَى: { اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } ، فَجَعَلَ نَفْسَهُ مَعَ الصَّابِرِينَ دُونَ الْمُصَلِّينَ ، وَجَمَعَ لِلصَّابِرِينَ بَيْنَ أُمُورٍ لَمْ يَجْمَعْهَا لِغَيْرِهِمْ فَقَالَ: { أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ } وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { الصَّبْرُ نِصْفُ الْإِيمَانِ } ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِيمَانَ يُطْلَقُ عَلَى التَّصْدِيقِ أَوْ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ أَوْ عَلَيْهِمَا ، فَالصَّبْرُ ، إمَّا بِمَعْنَاهُمَا فَالْإِيمَانُ رُكْنَانِ: الْيَقِينُ وَالصَّبْرُ ، فَالْيَقِينُ: الْمَعَارِفُ الْقَطْعِيَّةُ الْحَاصِلَةُ بِهِدَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالصَّبْرُ: الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى الْيَقِينِ ، وَالْيَقِينُ مَعْرِفَةُ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ ضَارَّةٌ وَالطَّاعَةَ نَافِعَةٌ فَلَا يَتْرُكُ الْمَعْصِيَةَ وَيُوَاظِبُ عَلَى الطَّاعَةِ إلَّا بِالصَّبْرِ ، فَالصَّبْرُ نِصْفٌ وَالْيَقِينُ نِصْفٌ ، وَإِمَّا بِمَعْنَى الْأَحْوَالِ الْمُثْمِرَةِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ فَبَعْضُ مَا يُلَاقِيه يَضُرُّهُ حَالَ الصَّبْرِ وَبَعْضٌ يَنْفَعُهُ حَالَ الشُّكْرِ ، فَالشُّكْرُ شَطْرٌ وَالصَّبْرُ