وَأَمَّا الْعَمَلُ بِلَا نِيَّةٍ فَلَا ثَوَابَ لَهُ ، وَأَيْضًا النِّيَّةُ الْمُجَرَّدَةُ أَوْ الْمَقْرُونَةُ خَيْرٌ مِنْ الْعَمَلِ الْمَقْرُونِ بِهَا لِأَنَّهَا فِعْلُ الْقَلْبِ تَنْفَرِدُ بِهِ بِخِلَافِ الْعَمَلِ فَإِنَّهُ يَقْتَرِنُ ، وَلِأَنَّ مَا فِي الْقَلْبِ لَا يَدْخُلُهُ الرِّئَاءُ ، وَلِأَنَّ الْقَلْبَ مَعْدِنُ الْمَعْرِفَةِ ، وَمَعْدِنُ الْمَعْرِفَةِ أَفْضَلُ لِأَنَّهَا أَصْلٌ وَأَمَّا كَوْنُهَا خَيْرًا مِنْ الْعَمَلِ غَيْرِ الْمُجَرَّدِ ، فَإِنَّ بَعْضًا حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ فِعْلَ التَّفْضِيلِ لَا يَخْرُجُ عَنْ التَّفْضِيلِ مَعَ التَّلَفُّظِ بِمِنْ التَّفْضِيلِيَّةِ وَلَا الْمَنْوِيَّةِ لِأَنَّ مَا لَا ثَوَابَ فِيهِ لَا يُقَالُ: غَيْرُهُ أَفْضَلُ مِنْهُ ثَوَابًا ، لِأَنَّك إذَا قُلْت هَذَا تُوُهِّمَ أَنَّ فِيهِ ثَوَابًا مَرْجُوحًا ، وَقَدْ فَرَضْت أَنَّهُ لَا ثَوَابَ فِيهِ أَصْلًا وَإِنَّمَا التَّفَاضُلُ فِيهِ بِحَسَبِ الشَّرْعِ فِي أَعْمَالِ الطَّاعَاتِ ، وَأَمَّا أَعْمَالُ الْمَعْصِيَةِ فَلَا يُقَالُ: هَذَا أَفْضَلُ مِنْ هَذَا ، بَلْ هُوَ شَرٌّ مِنْ هَذَا وَأَجَازَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ أَنْ يُقَالَ: الطَّاعَةُ خَيْرٌ مِنْ الْمَعْصِيَةِ ، وَالْمُطِيعُ خَيْرٌ مِنْ الْعَاصِي ، مَعَ أَنَّهُ مَنَعَ أَنْ يُقَالَ: الْمَعْصِيَةُ شَرٌّ مِنْ الطَّاعَةِ ، وَالْعَاصِي شَرٌّ مِنْ الْمُطِيعِ ، وَهَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ مِنْ الْأَوْجُهِ .
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ النِّيَّةَ أَفْضَلُ لِأَنَّهَا سِرٌّ ، وَعَمَلُ السِّرِّ أَفْضَلُ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي نَفْسِهِ صَحِيحًا لِأَنَّهُ لَوْ نَوَى أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ أَوْ يَتَفَكَّرَ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ نِيَّةُ الذِّكْرِ أَوْ التَّفَكُّرِ خَيْرًا مِنْهُمَا قُلْت: لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُقَالَ بِذَلِكَ ، بِمَعْنَى أَنَّ النِّيَّةَ الْمَقْرُونَةَ بِالْعَمَلِ لَا يَدْخُلُهَا رِئَاءٌ ، وَهُوَ يَدْخُلُهُ كَشَيْئَيْنِ حَسَنَيْنِ اقْتَرَنَا أَحَدُهُمَا أَفْضَلُ ، أَوْ بِمَعْنَى أَنَّ النِّيَّةَ الْمُجَرَّدَةَ الْمُطْلَقَةَ خَيْرٌ لِأَنَّهَا لَا يَدْخُلُهَا ذَلِكَ مَعَ أَنَّهَا أَيْضًا لَا تَقْطَعُ ، قَالَ: