الْحَسَنِ: اخْتَلَفَ رَجُلَانِ فِي الْقَدَرِ فَتَرَاضَيَا بِأَوَّلِ رَجُلٍ يَلْقَيَانِهِ ، فَلَقِيَا رَجُلًا فَسَأَلَاهُ فَقَالَ: الَّذِي جَعَلَ الشَّهْدَ فِي النَّحْلَةِ هُوَ الَّذِي جَعَلَ السُّمَّ فِي الْحَيَّةِ ، وَلَقِيَ مُعْتَزِلِيٌّ نَصْرَانِيًّا فَقَالَ لَهُ: أَلَا تُسْلِمُ ؟ فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ ، فَقَالَ: بَلْ أَرَادَ وَمَنَعَك الشَّيْطَانُ ، فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: أَنَا مَعَ أَقْوَاهُمَا ، وَقَدْ أَخْطَأَ الْمُعْتَزِلِيُّ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ فِي مُلْكِ اللَّهِ مَا لَا يُرِيدُ ، فَإِنَّ مَنْ ضَلَّ فَاَللَّهُ أَضَلَّهُ وَمَنْ اهْتَدَى فَاَللَّهُ هَدَاهُ ، وَمَا إضْلَالُ الشَّيْطَانِ إلَّا وَسْوَسَةٌ ، وَإِضْلَالُ اللَّهِ خِذْلَانُهُ الْعَبْدَ ؛ بِكَسْبِهِ وَاخْتِيَارِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا يَأْتِينِي أَحَدٌ فَيُخَاصِمُنِي أَبْغَضُ إلَيَّ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قَدْرَ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى: { لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } أَمَا يَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ: { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } كُفَّارًا وَمُؤْمِنِينَ ، وَاخْتَصَمَ بَنُو إسْرَائِيلَ فِي الْقَدَرِ خَمْسَ مِائَةِ عَامٍ ثُمَّ انْتَهَوْا إلَى عَالِمٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالُوا لَهُ: صِفْ لَنَا الْقَدَرَ بِكَلَامٍ قَلِيلٍ نَفْهَمُهُ عَنْكَ ؛ فَقَالَ: حِرْمَانُ الْعَاقِلِ وَظَفَرُ الْجَاهِلِ .
وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: قَدَّرَ اللَّهُ الْمَقَادِيرَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفِ سَنَةٍ } وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَدَرَ وَالطَّلَبَ لَا يَتَنَافَيَانِ ، وَالتَّوْكِيلَ وَالْكَسْبَ لَا يَتَضَادَّانِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يُقَدِّرُ الشَّيْءَ وَيَصِلُ إلَيْك بِالطَّلَبِ ، وَالطَّلَبُ أَيْضًا مُقَدَّرٌ ، وَالتَّوَكُّلُ فِي الْقَلْبِ ، وَالْكَسْبُ فِي الْجَوَارِحِ ، وَقِيلَ: وَمَنْ خَالَفَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ فَقَدْ وَافَقَهُمْ فِي الْعِلْمِ قُلْت: بَلْ بَعْضُ مَنْ خَالَفَهُمْ يَنْفِي عَنْ اللَّهِ الْعِلْمَ بِالشَّيْءِ حَتَّى يَكُونَ ، وَهُوَ مَنْ أَضَافَ الْخَلْقَ لِفِعْلِهِ إلَى نَفْسِهِ ، وَلَعَلَّ الَّذِي وَافَقَهُمْ مَنْ لَا يَنْسِبُ الْخَلْقَ