التَّنْبِيهُ الرَّابِعُ: اعْلَمْ أَنَّ الْخَوْفَ عِبَارَةٌ عَنْ تَأَلُّمِ الْقَلْبِ وَاحْتِرَاقِهِ بِسَبَبِ تَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ فِي الِاسْتِقْلَالِ ، وَالْخَوْفُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى تَارَةً يَكُونُ لِمَعْرِفَةِ صِفَاتِهِ وَأَنَّهُ لَوْ أَهْلَكَ الْعَالَمِينَ لَمْ يُبَالِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مَانِعٌ ، وَتَارَةً لِكَثْرَةِ الْجِنَايَةِ بِالْمَعَاصِي وَتَارَةً بِهِمَا وَبِحَسَبِ مَعْرِفَتِهِ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِجَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى: وَأَنَّهُ { لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } تَكُونُ قُوَّةُ الْخَوْفِ ، فَأَخْوَفُ النَّاسِ لِرَبِّهِ أُعْرَفُهُمْ بِنَفْسِهِ وَبِرَبِّهِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: أَنَا أَخْوَفُكُمْ لِلَّهِ } وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ: { إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } فَيَنْحَلُ الْجِسْمُ وَيَصْفَرُّ وَيَبْكِي وَقَدْ تَنْشَقُّ بِهِ الْمَرَارَةُ فَيُفْضِي إلَى الْمَوْتِ ، وَقَدْ يَدْخُلُ الدِّمَاغَ فَيُفْسِدُ الْعَقْلَ ، أَوْ يَقْوَى فَيَقْنَطُ ، وَذَلِكَ مِنْ الْقَلْبِ ، وَأَمَّا فِي الْجَوَارِحِ فَيَكُفُّهَا عَنْ الْمَعَاصِي وَيُقَيِّدُهَا بِالطَّاعَاتِ جَبْرًا لِمَا فَرَّطَ ، وَاسْتِعْدَادًا لِلْمُسْتَقْبِلِ ، وَلِذَلِكَ قِيلَ: لَيْسَ الْخَائِفُ مَنْ يَبْكِي وَيَمْسَحُ عَيْنَهُ بَلْ يَتْرُكُ مَا يَخَافُ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَيْهِ ، قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: الْحَكِيمُ مَنْ خَافَ شَيْئًا هَرَبَ مِنْهُ ، وَمَنْ خَافَ اللَّهَ هَرَبَ إلَيْهِ ، وَقِيلَ لِذِي النُّونِ: مَتَى يَكُونُ الْعَبْدُ خَائِفًا ؟ قَالَ: إذَا نَزَّلَ نَفْسَهُ مَنْزِلَةَ السَّقِيمِ الَّذِي يَحْتَمِي مَخَافَةَ طُولِ السَّقَامِ فَيَكْرَهُ الْمَعَاصِيَ الْمَحْبُوبَةَ كَمَا يَكْرَهُ الْعَسَلَ الَّذِي عَرَفَ فِيهِ سُمًّا فَيَخْشَعُ وَيُفَارِقُ الْكِبْرَ وَالْحِقْدَ وَالْحَسَدَ ، وَيُحَاسِبُ نَفْسَهُ بِاللَّحْظَةِ وَالْخُطْوَةِ وَالْخَطْرَةِ وَالْكَلِمَةِ وَأَقَلُّ دَرَجَاتِ الْخَوْفِ مَا يُورِثُ الْوَرَعَ الَّذِي هُوَ الْكَفُّ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ ، وَإِنْ زَادَ قُوَّةً كَفَّ عَمَّا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ ، وَيُسَمَّى تَقْوَى ، وَهُوَ أَنْ يَتْرُكَ مَا يَرِيبُهُ إلَى مَا لَا يَرِيبُهُ ،