مَعْصِيَتِهِ ، وَالْخَوْفَ مِنْ عِقَابِهِ ، وَالِاجْتِهَادَ فِي خِدْمَتِهِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَا هُنَا أَصْلًا أَصِيلًا وَنُكْتَةً عَزِيزَةً يَغْلَطُ فِيهَا الْكَثِيرُ مِنْ النَّاسِ وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْأُمْنِيَةِ ، فَالرَّجَاءُ يَكُونُ عَلَى أَصْلٍ وَالْأُمْنِيَةُ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ ، مِثَالُهُ أَنْ يَزْرَعَ أَحَدٌ وَيَجْتَهِدَ بِبَذْرٍ فَيَقُولَ: أَرْجُو أَنْ يَحْصُلَ لِي مِنْهُ مِائَةُ قَفِيزٍ فَذَلِكَ رَجَاؤُهُ ، وَآخَرُ لَا يَزْرَعُ وَإِذَا جَاءَ وَقْتُ الْحَصَادِ قَالَ: أَرْجُو أَنْ يَحْصُلَ لِي مِائَةُ قَفِيزٍ ، فَيُقَالُ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا الرَّجَاءُ وَلَمْ تُقَدِّمْ أَسْبَابَهُ ؟ فَكَذَلِكَ مَنْ اجْتَهَدَ فِي الْعِبَادَةِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَرَكَ الْمَعَاصِي فَإِنَّهُ يَقُولُ: أَرْجُو أَنْ يَتَقَبَّلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذَا الْيَسِيرَ ، وَيُتِمَّ هَذَا التَّقْصِيرَ ، وَيُعَظِّمَ الثَّوَابَ ، وَيَعْفُوَ عَنْ الزَّلَلِ ، وَأَحْسَنَ الظَّنَّ بِهِ ، فَهَذَا مِنْهُ رَجَاءٌ ، وَأَمَّا إنْ تَرَكَ الطَّاعَةَ وَعَصَى وَلَمْ يُبَالِ بِالْوَعِيدِ .
وَقَالَ: أَرْجُو الْجَنَّةَ وَالنَّجَاةَ مِنْ النَّارِ فَذَلِكَ أُمْنِيَةٌ لَا حَاصِلَ لَهَا سَمَّاهَا رَجَاءً وَحُسْنَ ظَنٍّ ، وَذَلِكَ خَطَأٌ وَضَلَالٌ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ } ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إنَّ قَوْمًا أَلْفَتْهُمْ أَمَانِي الْمَغْفِرَةِ حَتَّى خَرَجُوا مِنْ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ حَسَنَةٌ ، يَقُولُ أَحَدُهُمْ: إنِّي أُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّي وَكَذَبَ ، لَوْ أَحْسَنَ الظَّنَّ بِهِ لِأَحْسَنَ الْعَمَلَ لَهُ ، وَقَرَأَ: { وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمْ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ } الْآيَةَ ؛ وَفَسَّرَ الْقُرْطُبِيُّ حُسْنَ الظَّنِّ بِاَللَّهِ أَنْ يَطْمَعَ فِي مَغْفِرَةِ اللَّهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ غَالِبًا عَلَيْهِ عِنْدِ الْمَوْتِ .
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: إذَا رَأَيْتُمْ بِالرَّجُلِ الْمَوْتَ فَبَشِّرُوهُ لِيَلْقَى رَبَّهُ وَهُوَ حَسَنُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ ، وَتَحْقِيقُ