لَمْ تَعْلَمُوا بِهِ كُلِّهِ ، وَانْهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنْهُ كُلِّهِ ، قَالَ: وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا أَنَّ الِاحْتِسَابَ تَارَةً يَكُونُ بِالْوَعْظِ وَلَا يَنْفَعُ وَعْظُ مَنْ لَا يَتَّعِظُ عِنْدَ مَنْ عُلِمَ ذَلِكَ مِنْهُ ، وَيَكُونُ الِاحْتِسَابُ تَارَةً بِالْقَهْرِ وَالْمَنْعِ فَلَا حَجْرَ عَلَى فَاسِقٍ فِي إرَاقَةِ الْخَمْرِ وَكَسْرِ الْمَلَاهِي وَغَيْرِهَا إذَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ إغَاثَةُ الْمَظْلُومِ وَقَمْعُ الظَّالِمِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمُنْكَرِ .
قُلْتُ: وَكَذَا آثَارُ التَّنَاصُحِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ أَخَاكَ الْمُسْلِمَ يَرَى عَيْبَكَ وَتَرَى عَيْبَهُ فَيَنْصَحُ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ النَّهْيُ عَنْ الْعَاصِي ، قَالَ: وَأَمَّا الْآيَاتُ وَالْأَخْبَارُ الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِهَا فَإِنْكَارٌ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ تَرْكُهُمْ الْمَعْرُوفَ وَارْتِكَابِهِمْ الْمُنْكَرَ لَا مِنْ حَيْثُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ لِأَنَّ أَمَرَهُمْ وَنَهْيَهُمْ دَلَّ عَلَى قُوَّةِ عِلْمِهِمْ ، وَعِقَابُ الْعَالِمِ التَّارِكِ أَشَدُّ ؛ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ مَعَ قُوَّةِ عِلْمِهِ فَالْجَاهِلُ غَيْرُ مَعْذُورٍ فَكَيْفَ الْعَالِمُ الْعَالِمُ ، وقَوْله تَعَالَى: { تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ } ، الْمُرَادُ بِهِ الْوَعْدُ الْكَاذِبُ ، وقَوْله تَعَالَى: { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسُكُمْ } إنْكَارٌ مَنْ حَيْثُ إنَّهُمْ نَسُوا أَنْفُسَهُمْ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ أَمَرُوا غَيْرَهُمْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَدَلُّ عَلَى عِلْمِهِمْ وَأَقْوَى فِي تَأْكِيدِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ، وَقَوْلُهُ: { يَا ابْنَ مَرْيَمَ عِظْ نَفْسَكَ } الْحَدِيثُ هُوَ فِي الِاحْتِسَابِ بِالْوَعْظِ ، وَقَدْ سَلَّمْنَا أَنَّ وَعْظَ الْفَاسِقِ قَلِيلُ الْجَدْوَى سَاقِطُ الْقَبُولِ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ فِسْقَهُ ، ثُمَّ قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَاسْتَحِي مِنِّي لَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ وَعْظِ الْغَيْرِ بَلْ مَعْنَاهُ: لَا تَتْرُكْ مُهِمَّ نَفْسِكَ وَتَشْتَغِلْ بِمُهِمِّ غَيْرِكَ ، كَمَا يُقَالُ: احْفَظْ أَبَاكَ ، ثُمَّ أَخَاكَ وَإِلَّا فَاسْتَحِي ا هـ .
وَيَجِبُ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَجَبَ