وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ: إنَّ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ خَلْقًا لَا يَشْغَلُهُمْ الْجِنَانُ وَمَا فِيهَا مِنْ النَّعِيمِ عَنْهُ ، فَكَيْفَ يَشْتَغِلُونَ بِالدُّنْيَا ؟ وَمَرَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِثَلَاثَةِ نَفَرٍ نَحِلَتْ أَبْدَانُهُمْ وَتَغَيَّرَتْ أَلْوَانُهُمْ فَقَالَ: مَا الَّذِي بَلَغَ بِكُمْ مَا أَرَى ؟ فَقَالُوا: الْخَوْفُ مِنْ النَّارِ ، قَالَ: حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُؤَمِّنَ الْخَائِفَ ثُمَّ جَاوَزَهُمْ إلَى ثَلَاثَةٍ آخَرِينَ فَإِذَا هُمْ أَشَدُّ نُحُولًا وَتَغَيُّرًا فَقَالَ: مَا الَّذِي بَلَغَ بِكُمْ مَا أَرَى ؟ قَالُوا: الشَّوْقُ إلَى الْجَنَّةِ فَقَالَ:"حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعْطِيَكُمْ مَا تَرْجُونَ"ثُمَّ جَاوَزَهُمْ إلَى ثَلَاثَةٍ فَإِذَا هُمْ أَشَدُّ نُحُولًا وَتَغَيُّرًا كَأَنَّ عَلَى وُجُوهِهِمْ الْمَرَائِي مِنْ النُّورِ فَقَالَ: مَا الَّذِي بَلَغَ بِكُمْ مَا أَرَى ؟ قَالُوا: حُبُّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَقَالَ: أَنْتُمْ الْمُقَرَّبُونَ أَنْتُمْ الْمُقَرَّبُونَ .
وَقَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ نَائِمٍ فِي الثَّلْجِ فَقُلْتُ أَمَا تَجِدُ الْبَرْدَ فَقَالَ: مَنْ شَغْلَهُ حُبُّ اللَّهِ لَا يَجِدُ الْبَرْدَ ، وَعَنْ سَرِيٍّ السَّقَطِيِّ: تُدْعَى الْأُمَمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْبِيَائِهِمْ فَيُقَالُ: يَا أُمَّةَ مُوسَى ، يَا أُمَّةَ عِيسَى ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ، غَيْرَ الْمُحِبِّينَ فَيُنَادَوْنَ: يَا أَوْلِيَاءَ اللَّهِ هَلُمُّوا إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَتَكَادُ قُلُوبُهُمْ تَنْخَلِعُ فَرَحًا ، وَقَالَ هَرِمُ بْنُ حَيَّانَ: الْمُؤْمِنُ إذَا عَرَفَ رَبَّهُ عَزَّ .
وَجَلَّ أَحَبَّهُ وَأَقْبَلَ إلَيْهِ ؛ إذَا وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِقْبَالِ إلَيْهِ لَمْ يَنْظُرْ إلَى الدُّنْيَا بِعَيْنِ الشَّهْوَةِ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى الْآخِرَةِ بِعَيْنِ الْفَتْرَةِ ، وَيَبْقَى بِجَسَدِهِ فِي الدُّنْيَا وَبِرُوحِهِ فِي الْآخِرَةِ ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ: عَفَوْهُ يَسْتَغْرِقُ الذُّنُوبَ فَكَيْفَ رِضْوَانُهُ ؟ وَرِضْوَانُهُ يَسْتَغْرِقُ الْآمَالَ ، فَكَيْفَ حُبُّهُ ؟ وَحُبُّهُ يُدْهِشُ الْعُقُولَ ، فَكَيْفَ وُدُّهُ ؟ وَوُدُّهُ يُنْسِي مَا دُونَهُ ، فَكَيْفَ لُطْفُهُ ؟ وَفِي بَعْضِ