فهرس الكتاب

الصفحة 16186 من 17437

قَالَ: فَإِذَا نَحْنُ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَقَدْ خَرَجَ مَعَنَا بِهِ أَدْمَةٌ فِي شَعْرِهِ وَهُوَ مُصْفَرُّ اللَّوْنِ ذَهَبَ الدَّمُ مِنْ وَجْهِهِ مِمَّا بَلَغَتْ فِيهِ الْعِبَادَةُ ، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ خَلِقَةٌ مِنْ رِقَاعٍ شَتَّى ، وَبِيَدِهِ عَصًى وَمَعَهُ مِزْوَدٌ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الزَّادِ وَهُوَ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ وَأَنْكَرَهُ أَهْلُ الرُّفْقَةِ وَقَالُوا: نَظُنُّكَ عَبْدًا قَالَ: نَعَمْ ، قَالُوا: مَمْلُوكٌ ؟ قَالَ: نَعَمْ ، قَالُوا: نَظُنُّ أَنَّكَ عَبْدُ سُوءٍ هَرَبَتْ مِنْ مَوْلَاكَ ؟ قَالَ لَهُمْ: نَعَمْ قَالُوا: كَيْفَ رَأَيْتَ نَفْسَكَ حِينَ هَرَبْتَ مِنْ مَوْلَاكَ وَمَا صَارَ حَالُكَ إلَيْهِ ؟ أَمَّا إنَّكَ لَوْ أَقَمْتَ عِنْدَهُ مَا كَانَتْ حَالَتُكَ هَذِهِ ؟ وَإِنَّمَا أَنْتَ عَبْدُ سُوءٍ مُقَصِّرٌ ، فَقَالَ لَهُمْ: نَعَمْ وَاَللَّهِ إنِّي لَعَبْدُ سُوءٍ وَنِعْمَ الْمَوْلَى مَوْلَايَ وَمِنْ قِبَلِي التَّقْصِيرُ ، وَلَوْ أَطَعْتُهُ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِي هَذَا ، وَجَعَلَ يَبْكِي حَتَّى كَادَتْ نَفْسُهُ تُزْهَقُ فَرَحِمَهُ الْقَوْمُ وَظَنُّوا أَنَّهُ مَوْلَى ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ عَبْدٌ لِرَبِّ الْعِزَّةِ جَلَّ وَعَلَا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْقَافِلَةِ: لَا تَخَفْ أَنَا آخُذُ لَكَ مِنْ مَوْلَاكَ الْأَمَانَ فَارْجِعْ إلَيْهِ وَتُبْ فَقَالَ: أَنَا رَاجِعٌ إلَيْهِ وَرَاغِبٌ فِيمَا عِنْدَهُ وَمَضَوْا حَتَّى خَرَجُوا إلَى زِيَارَةِ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَارَتْ الْقَافِلَةُ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَسَارَ مَعَهُمْ وَجَدُّوا فِي الْمَسِيرَةِ .

وَلَمَّا كَانُوا لَيْلًا نَزَلُوا فِي فَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ ، وَكَانَتْ لَيْلَةً شَاتِيَةً بَارِدَةً كَثِيرَةَ الْمَطَرِ ، فَآوَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَافِلَةِ إلَى رَحْلِهِ وَخِبَائِهِ وَلَمْ يَأْوِ أُوَيْسٌ إلَى شَيْءٍ وَلَمْ يَسْأَلْ شَيْئًا وَقَدْ آلَى عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يَسْأَلَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا مِنْ مَخْلُوقٍ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ حَوَائِجُهُ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَبَلَغَ بِهِ الْبَرْدُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مَبْلَغًا شَدِيدًا حَتَّى اضْطَرَبَتْ جَوَارِحُهُ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ سُلْطَانُ الْبَرْدِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت