حَتَّى مَاتَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ ، وَلَمَّا أَصْبَحَ وَأَرَادُوا الرَّحِيلَ نَادَوْهُ: قُمْ أَيُّهَا الرَّجُلُ فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ رَحَلُوا فَأَتَاهُ رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنْهُ فَحَرَّكَهُ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا رَحِمَهُ اللَّهُ ، فَنَادَى: يَا أَهْلَ الْقَافِلَةِ إنَّ الْعَبْدَ الْآبِقَ عَلَى سَيِّدِهِ قَدْ مَاتَ وَلَا يَصْلُحُ لَنَا الرَّحِيلُ حَتَّى تَدْفِنُوهُ قَالُوا: وَمَا الْحِيلَةُ فِي أَمْرِهِ ؟ .
فَقَالَ لَهُمْ رَجُلٌ صَالِحٌ كَانَ مَعَهُمْ: إنَّ هَذَا الْعَبْدَ كَانَ تَائِبًا رَاجَعَا إلَى مَوْلَاهُ نَادِمًا عَلَى مَا صَنَعَ وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَنْفَعَنَا اللَّهُ بِهِ ، وَقَدْ قِبَلَ تَوْبَتَهُ ، وَنَخَافُ أَنْ نَسْأَلَ عَنْهُ إنْ تَرَكْنَاهُ غَيْرَ مَدْفُونٍ وَلَا بُدَّ لَكُمْ أَنْ تَصْبِرُوا حَتَّى تَحْفِرُوا لَهُ قَبْرًا وَتَدْفِنُوهُ فِيهِ ، فَقَالُوا: هَذَا مَوْضِعٌ لَيْسَ فِيهِ مَاءٌ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اسْأَلُوا الدَّلِيلَ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: إنَّ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْمَاءِ سَاعَةً وَلَكِنْ أَرْسِلُوا مَعِي رَجُلًا وَاحِدًا وَإِنَاءً آتِيكُمْ بِالْمَاءِ فَأَخَذَ الدَّلِيلُ دَلْوًا وَسَارَ إلَى الْمَاءِ .
وَلَمَّا خَرَجَ مِنْ الْقَافِلَةِ إذَا هُوَ بِغَدِيرٍ مِنْ الْمَاءِ فَقَالَ الدَّلِيلُ: هَذَا هُوَ الْعَجَبُ الَّذِي مَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ هَذَا مَوْضِعٌ لَيْسَ فِيهِ مَاءٌ وَلَا عَلَى قَرِيبٍ مِنْهُ فَرَجَعَ إلَيْهِمْ وَقَالَ قَدْ كُفِيتُمْ الْمُؤْنَةُ فَعَلَيْكُمْ بِالْحَطَبِ ، فَجَمَعُوهُ لِيُسَخِّنُوا بِهِ الْمَاءَ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ فَجَاءُوا إلَى الْمَاءِ لِيَأْخُذُوا مِنْهُ فَوَجَدُوهُ سُخْنًا يَغْلِي فَازْدَادُوا تَعَجُّبًا وَفَزِعُوا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَقَالُوا: إنَّ لِهَذَا الْعَبْدِ قِصَّةً وَشَأْنًا فَأَخَذُوا فِي حَفْرِ قَبْرِهِ فَوَجَدُوا التُّرَابَ أَلْيَنَ مِنْ الزُّبْدِ وَأَشَدَّ رَائِحَةً مِنْ الْمِسْكِ الْأَذْفَرُ لَمْ يَشُمُّوا أَطْيَبَ مِنْهُ ، فَاشْتَدَّ خَوْفُهُمْ وَمُلِئُوا رُعْبًا وَضَرَبُوا لَهُ خِبَاءً وَأَدْخَلُوهُ فِيهِ وَغَسَّلُوهُ وَتَنَافَسُوا فِي كَفَنِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: أَنَا أُكَفِّنُهُ ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أُكَفِّنُهُ ، فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ أَنْ يَجْعَلَ كُلُّ