الْبَرَاءَةَ الْمَفْهُومَةَ مِنْ لَفْظِ مُتَبَرِّئ ، وَأَرَادَ بِمَنْ لَا يَسْتَوْجِبُهَا الْعُقَلَاءُ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ .
وَغَيْرُ الْعُقَلَاءِ كَالْأَرْضِ وَالشَّجَرِ وَآلَاتِ الْعَمَلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجْرِي عَلَيْهِ التَّكْلِيفُ وَسَوَاءٌ فِي الْمُكَلَّفِينَ أَنْ يَكُونُوا فِي الْوِلَايَةِ فَإِنَّ مَنْ تَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَفَرَ نِفَاقًا إنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِمْ وَكَفَرَ شِرْكًا إنْ نَصَّ عَلَيْهِمْ ، وَأَنْ يَكُونُوا فِي الْبَرَاءَةِ أَوْ الْوُقُوفِ إذَا تَبَرَّأَ مِنْهُمْ عَلَى غَيْرِ وَجْهٍ يُوجِبُ الْبَرَاءَةَ وَذَلِكَ أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ عَلَى فِعْلِ مَا يَجُوزُ لَهُمْ فِعْلُهُ أَوْ يَجِبُ فِعْلُهُ أَوْ لَا يُوجِبُ بَرَاءَةً وَلَوْ مَعْصِيَةً .
( وَرُخِّصَ فِي ) بَرَاءَتِهِ مِنْ ( غَيْرِ ذِي رُوحٍ ) بِ ( أَنْ يَعْصِيَ ) أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْعِصْيَانِ ( فَقَطْ ) وَيُوَكِّلُ أَمْرَهُ إلَى اللَّهِ ؛ أَذَلِكَ مِنْهُ كَبِيرَةٌ أَمْ لَا ؟ فَإِنْ أَصَرَّ بَرِئَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ ذَلِكَ كَبِيرَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ أَصَرَّ أَيْضًا ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ أَصَرَّ ، وَالْإِصْرَارُ كَبِيرٌ ، ( وَقِيلَ لَا يُهْلَكُ مُتَبَرِّئٌ مِنْ بَهِيمَةٍ ) بَلْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْعِصْيَانِ كَمَا فِي غَيْرِ ذِي رُوحٍ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ أَيْضًا ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ غَيْرِ ذِي رُوحٍ مَا يَعْظُمُ شَأْنُهُ كَجَسَدِ الْمَيِّتِ الْمُتَوَلِّي وَالْمُصْحَفِ وَالْكَعْبَةِ ، وَحُكْمُ جَسَدِ الْمُتَوَلِّي بَعْدَ مَوْتِهِ حُكْمُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ .
وَكَذَا مَا انْفَصَلَ مِنْ جَسَدِهِ فَمَنْ تَبَرَّأَ مِنْ جَسَدِ نَبِيٍّ أَوْ بَعْضِهِ أَشْرَكَ ، وَكَذَلِكَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ ، وَمَنْ تَبَرَّأَ مِنْ جِسْمِ مُتَوَلِّي غَيْرِ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ أَوْ بَعْضِهِ فَقَدْ نَافَقَ ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ خَالَفَ الْحَقَّ وَوَضَعَ الْبَرَاءَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا ، وَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي جَنْبِ الْبَهَائِمِ وَالْجَمَادَاتِ وَظَلَمَهُنَّ إذْ تَبَرَّأَ بِلَا مُوجِبٍ ، وَفَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي جَنْبِ