بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَلِكِ النُّوبَةِ ، فَبَعَثَ إلَيْهِ وَفَكَّ عَنْهُ الْحَدِيدَ وَأَدْنَى مَجْلِسَهُ فَقَالَ: حَدِّثْنِي بِالْكَلَامِ الَّذِي جَرَى بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَلِكِ النُّوبَةِ .
فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّا كُنَّا قَوْمًا مُلُوكًا فَلَمَّا انْقَضَتْ بِنَا الْمُدَّةُ أَمَرْتُ بِالْمَتَاعِ فَصِيرَ فِي الْمَرْكَبِ فَذَهَبَ بِنَا الْمَوْجُ شَهْرًا ، ثُمَّ صِرْنَا إلَى جَزِيرَةِ النُّوبَةِ ، فَأَمَرْتُ بِالْخِيَامِ فَضُرِبَتْ ، فَأَقْبَلَتْ النُّوبَةُ يَنْظُرُونَ إلَى مَتَاعِنَا وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ حُسْنِهِ ؛ فَأَقْبَلَ مَلِكُ النُّوبَةِ فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ طَوِيلٌ أَصْلَعُ عَلَيْهِ كِسَاؤُهُ قَدْ اشْتَمَلَ بِهَا وَسَلَّمَ وَجَلَسَ عَلَى الْأَرْضِ وَلَمْ يَجْلِسْ عَلَى الْبِسَاطِ ، فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ تَرَكْتَ الْجُلُوسَ عَلَى بِسَاطِي ؟ قَالَ: إنِّي مَلِكٌ وَحَقٌّ لِمَنْ رَفَعَهُ اللَّهُ أَنْ يَتَوَاضَعَ إذْ رَفَعَهُ ، ثُمَّ صَوَّبَ نَظَرَهُ فِي وَجْهِي فَقَالَ: مَا بَالُكُمْ تَطَئُونَ الزَّرْعَ بِدَوَابِّكُمْ وَالْفَسَادُ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ فِي كِتَابِكُمْ ؟ قُلْتُ: عَبِيدُنَا وَأَشْيَاعُنَا فَعَلُوا ذَلِكَ بِالْجَهْلِ مِنْهُمْ ، فَقَالَ: مَا بَالُكُمْ تَلْبَسُونَ الدِّيبَاجَ وَتُحَلَّوْنَ بِالذَّهَبِ وَهُمَا مُحَرَّمَانِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ؟ قُلْتُ: كُنَّا قَوْمًا مُلُوكًا فَلَمَّا انْقَضَتْ مِنَّا الْمُدَّةُ اسْتَعَنَّا بِأَعَاجِمَ دَخَلُوا فِي دِينِنَا فَكَرِهْنَا الْخِلَافَ عَلَيْهِمْ ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ فِي وَجْهِي وَيُرَدِّدُ الْكَلَامَ: عَبِيدُنَا وَأَشْيَاعُنَا وَأَعَاجِمُ دَخَلُوا فِي دِينِنَا كَرِهْنَا الْخِلَافَ عَلَيْهِمْ لَيْسَ هَذَا وَاَللَّهِ يَا ابْنَ مَرْوَانَ كَمَا تَقُولُونَ ، وَلَكِنَّكُمْ مَلَكْتُمْ فَظَلَمْتُمْ وَتَرَكْتُمْ مَا بِهِ أُمِرْتُمْ فَأَذَاقَكُمْ اللَّهُ وَبَالَ أَمْرِكُمْ وَلِلَّهِ فِيكُمْ نِقْمَةٌ لَمْ تَبْلُغْ .
وَإِنِّي لَأَخْشَى أَنْ تَنْزِلَ بِكَ وَأَنْتَ ضَيْفِي وَعَلَى بِسَاطِي فَتُصِيبُنِي مَعَكَ فَارْتَحِلْ عَنِّي ، فَتَزَوَّدْتُ وَارْتَحَلْتُ ؛ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَارِكِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَمَدَحَ الْآمِرِينَ