وَسَلَّمَ عَنْ الزُّهْدِ فَقَالَ: أَمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِإِضَاعَةِ الْمَالِ وَلَا بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ ، وَلَكِنْ أَنْ تَكُونَ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ أَوْثَقَ مِنْكَ بِمَا فِي يَدِكَ ، وَأَنْ يَكُونَ ثَوَابُ الْمُصِيبَةِ أَرْجَحَ عِنْدَكَ .
وَقِيلَ: الزُّهْدُ لُغَةً ، الْإِعْرَاضُ عَنْ الشَّيْءِ احْتِقَارًا لَهُ ، وَشَرْعًا أَخْذُ قَدْرِ الضَّرُورَةِ مِنْ الْمَالِ الْمُتَيَقَّنِ الْحِلِّ فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الْوَرَعِ إذْ هُوَ تَرْكُ الْمُشْتَبَهِ وَقِيلَ: وَتَرْكُ الدُّنْيَا عَنْ قُدْرَةٍ ، وَلَقَدْ قَالَ الطِّيبِيُّ: لَا يُتَصَوَّرُ الزُّهْدُ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ مَالٌ وَلَا جَاهٌ ، وَقِيلَ لِابْنِ الْمُبَارَكِ ، يَا زَاهِدُ ، قَالَ الزَّاهِدُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إذْ جَاءَتْهُ الدُّنْيَا رَاغِمَةً فَتَرَكَهَا ، أَمَّا أَنَا فَفِيمَ زَهِدْتُ ؟ وَقِيلَ: الزُّهْدُ تَفْرِيقُ الْمَجْمُوعِ وَتَرْكُ طَلَبِ الْمَفْقُودِ وَالْإِيثَارُ عِنْدَ الْقُوَّةِ ، وَقَالَ أَبُو يَزِيدَ: مَا غَلَبَنِي أَحَدُ مَا غَلَبَنِي شَابٌّ مِنْ أَهْلِ بَلْخِي مَرَّ عَلَيْنَا حَاجًّا فَقَالَ: يَا أَبَا يَزِيدَ مَا حَدُّ الزُّهْدِ عِنْدَكُمْ ؟ فَقُلْتُ: إذَا وَجَدْنَا أَكَلْنَا وَإِذَا فَقَدْنَا صَبَرْنَا ، فَقَالَ هَكَذَا كِلَابُ بَلْخَ عِنْدَنَا ، قُلْتُ: فَمَا حَدُّ الزُّهْدِ عِنْدَكُمْ ؟ فَقَالَ: إذَا فَقَدْنَا شَكَرْنَا وَإِذَا وَجَدْنَا آثَرْنَا وَقِيلَ: الزُّهْدُ النَّظَرُ إلَى الدُّنْيَا بِعَيْنِ احْتِقَارٍ فَتَصْغُرُ فِي عَيْنَيْكَ وَيَسْهُلُ عَلَيْكَ الْإِعْرَاضُ عَنْهَا ، وَقِيلَ: الزُّهْدُ قَصْرُ الْأَمَلِ وَالْإِيَاسُ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الضَّحَّاكُ: { قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَزْهَدُ النَّاسِ: قَالَ: مَنْ لَمْ يَنْسَ الْقَبْرَ وَالْبَلَاءَ وَتَرَكَ فُضُولَ زِينَةِ الدُّنْيَا ، وَآثَرَ مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى ، وَمَنْ لَمْ يَعُدَّ مِنْ أَيَّامِهِ غَدًا ، وَعَدَّ نَفْسَهُ مِنْ الْمَوْتَى } وَقِيلَ: الزُّهْدُ أَنْ لَا تَحْزَنَ عَلَى مَا فَاتَ مِنْ الدُّنْيَا وَلَا تَفْرَحَ بِمَا أَتَاكَ مِنْهَا وَأَحْسَنُ حُدُودِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: إنَّهُ فَرَاغُ الْقَلْبِ مِنْ الدُّنْيَا لَا فَرَاغُ الْيَدِ وَهَذَا